رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لازم أتكلم

العرب وثلاثى القوى العظمى

سامي صبري Thursday, 06 August 2020 19:24

< لم يعد التنافس بين ثلاثى القوى العظمى (أمريكا والصين وروسيا) خافيا على أحد، ورغم تعدد القضايا والمحاور السياسية بين هذا الثلاثى،  يبقى المحور العربى فى مقدمة أولويات الاستراتيجية العسكرية والسياسية لأهم وأكبر قوى اقتصادية فى العالم، وتبقى أيضا صعوبة الأخذ بأى نموذج من تلك الأنظمة منهجاً  يمكن تطبيقه أو جزء منه فى الشرق الأوسط.

< وتلك حقيقة يؤكدها الساسة والاقتصاديون، لسبب بسيط جدا هو احتفاظ الشعوب العربية بنظام حكم يواكب مراحل تطورها السياسى والاجتماعى والاقتصادى، بكل ما يحمله هذا التطور من أفكار إصلاحية، ووقود ديموجرافى، وثبت ذلك تاريخياً فيما خلفته ثورات تلك الشعوب من نتائج.

< وعلى الرغم من الاختلاف الدينى والعقائدى للقوى الثلاث، إلا أن حرباً خفية قوية تدور بينهم تكاد تكون السبب الرئيسى لأزمات النظام العالمى الجديد والمجتمع الدولى، وفى أزمة فيروس كورونا وما خلفها من تداعيات،  الدليل القوى على صراع الحيتان.

< وبتقديرى المتواضع سينتصر فى هذه الحرب من يقيم علاقات متوازنة ولا يقحم نفسه فى أحلاف سياسية وعسكرية تقيده وربما تستنزفه لصالح دولة أو دول بعينها، وهو ما انطلقت فى تجسيده واقعاً الحكومة الصينية بتطبيق سياسة الشركاء وليس الحلفاء.

< وأعتقد أن الصين بهذه السياسة الخارجية الجديدة وبعقلانية حكامها ونضج فكرها الاقتصادى (الاشتراكى المتطور) نجحت فى كسر الحصار والترصد  الأمريكى لكل ما هو صينى داخل أمريكا وخارجها، وحطمت شعار العدو الشرير  الذى يمارسه المرشحون لحكم البيت الأبيض  فى كل موسم انتخابى، وأجبرت بكين عبر السنوات العشر الماضية واشنطن على الاعتراف بقوة الصين سياسياً واقتصادياً بنجاحها فى إبرام عقود مصانع وطرق ومواصلات ومساكن وفنادق، وتوقيع اتفاقات منح وقروض واستثمارات ضخمة طويلة الأجل مع  نحو 120 دولة خارج الحلف الشيوعى، وأعتقد أيضا أنه مهما فعل ترامب  وبايدن لن يستطيعا وقف التقدم الصينى عسكريا واقتصاديا وهو ما حذر منه الجنرال ماتيس  بقوله: يجب الاعتراف بالصين منافسا استراتيجيا للولايات المتحدة.

<  ورغم قفز الصين من المركز العاشر فى الاقتصاد العالمى عام 1992 لتصبح ثانى أكبر قوة اقتصادية فى العالم  عام 2010، وسيطرتها برياً وبحرياً وتمددها فى قارة أوراسيا، وقدرتها على تجاوز كورونا بعكس الفشل الأمريكى فى مواجهة الوباء، إلا أنه لا يمكن لمجتمع ينشد الحرية والديمقراطية ويدافع عن حقوق الإنسان والملكية الفردية أن يقبل بالنموذج الصينى الذى يفتقر الى الشفافية؛ حتى ولو غزا العالم اقتصادياً بخطة الحزام والطريق.

< أما النموذج الروسى، وريث الاتحاد السوفيتى، فهو أيضا لا يصلح عربيا ولا يختلف كثيرا عن النموذج الصينى، إلا فى بعض الأدوات والتوجهات نحو الشرق والغرب العربى بما تحتويها من علاقات تقليدية قديمة مع الأنظمة العربية عامة والمصرى خاصة، منذ بداية الخمسينيات، وتوهجها فى بدايات الستينيات، ببناء السدود وشق الأنهار واستبدال المحراث الزراعى بالجرار، وتمويل تأسيس الجمعيات التعاونية للفلاحين، إضافة إلى صفقات الطائرات والصواريخ العسكرية السوفيتية التى كانت ضرورة حتمية لحماية وصيانة القومية العربية قبل أن تشارك روسيا الحديثة الآن فى حماية الأمن العربى وفاء وتقديرا لحلفائها العرب، يساعدها على ذلك تواجدها الدائم  فى سوريا بدعم طهران العدو الأول لواشنطن.

< ورغم إخفاق أمريكا فى فرض هيمنتها خلف شعار الديمقراطية على آسيا (العراق وأفغانستان نموذجاً)، إلا إنها تكاد تكون النموذج المقبول دوليا وعربيا، ومثلما نجحت فى كسب الحرب الباردة مع منافسها التقليدى الأول روسيا، تخوض الآن حربا باردة أخرى مع الصين عدوها العصرى، فأمريكا تعى جيدا سعى الصين لربط بكين وآسيا الوسطى بإيران عبر شبكة عملاقة من السكك الحديدية تهدد المصالح الأمريكية فى المنطقة، ولا سيما فى البحرين المتوسط والأحمر وصولا إلى إفريقيا بهدف كسر الهيكل الهرمى الحالى لثالوث القوى العظمى الذى تتربع على قمته أمريكا.

< ومن المهم هنا، تطوير علاقاتنا الدبلوماسية باتجاه ما يحقق مصالحنا، ووفقاً لميل ميزان القوى شرقا كان أو غربا، ومن دون ذلك لن نستفيد جيدا من هذه القوى العظمى التى  تحرص على بيع منتجاتها العسكرية والاقتصادية لنا، ليس لسواد أعيننا وإنما لتحقيق أهدافها الاستراتيجية اقتراباً من مصر قلب الشرق الأوسط، التى تشهد إصلاحا اقتصاديا غير مسبوق وطفرة عالمية من الاستثمار الأجنبي.

<  وبغض النظر عما يمارسه الثالوث من سلطوية عالمية جديدة، علينا نحن العرب أن نحافظ على حقوقنا، ولا نقدم أى تنازلات، نبحث عن مصالحنا السياسية والاقتصادية بقوة، وندافع عن مكتسباتنا بشراسة، وأن نكرس سياسة الشركاء لا الحلفاء، نأخذ من هذه وتلك، ونستفيد من هؤلاء وهؤلاء، فنحن قوة أخرى عالمية بما نمتلكه من تاريخ وأرض حبلى بشتى أنواع الموارد، وشعوب لا تعرف اليأس، فى طريق انتزاعها للحرية والديمقراطية.

< وفى ضوء تلك الحقيقة، يكون من السذاجة أن نتمنى العيش بالنظام الصينى، أو نتغطى بالنظام الأمريكى، أو نحلم بالنظام الروسى، ولكن عين العقل أن نستفيد من إيجابيات تلك الأنظمة جميعا، بتطبيق ما يناسب ظروفنا، وترك ما يضرنا أو يعيدنا إلى الخلف.

[email protected]