رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ثدى العالم بلا حليب

 

 

فيروس كورونا المستجد وضع العالم كله فى سلة واحدة من المخاطر، وربما تكون اللحظة الراهنة هى حالة  العولمة  الحقيقية التى حولت البشرية المعاصرة الى قرية تخلو شوارعها من المارة وتنام على أسرتها قلوب مرتجفة ونفوس غارقة فى الخوف، ولا فرق فى هذا بين من يختبئون داخل منتجعاتهم فى كاليفورنيا وميامى ولاس فيجاس وبين من يهيمون على وجوههم فى الصومال والنيجر.

إنها لحظة تاريخية أراها أتت فى موعدها بعد أن حولت الرأسمالية الجديدة هذا العالم على اتساعه الى بورصات لتجارة القيم والأخلاق تصعد أسهمها كلما هبطت أمام اشاراتها الخضراء قيمة الإنسان .. بورصات للصراع بين الدولار والجوعى ممن شردتهم الحروب بالوكالة، وقتلت فى نفوسهم أى أمل فى حياة طبيعية  .. بين اليورو ومن تطحنهم حروب مجرمة كتب سيناريوهاتها وأخرجها سادة العالم لتظل مصانع أسلحة الموت تدر حليبا لقلة، ونارا تلتهم الآخرين  .. تاريخيا عندما تخبو وتهدر انسانية الانسان تأتى الكوارث تباعا لتقول لمن يتحكمون بمقادير الدنيا أفيقوا  - الموت يدق أبوابكم  ويحاصر قصوركم ومدنكم المتباهية بالثراء.

 مأساة إنسانية أن تنفق عشر شركات كبرى فى أمريكا وأوروبا تريليون دولار على الدعاية والاعلان للمتاجرة بأحلام الفقراء الذين باتوا يمثلون 80% من العالم مقابل 20% يديرون اللعبة من أمام شاشات صغيره تنقل المليارات من الدولارات من حساب لآخر بضغطة زر .. مأساة أن تلقى عواصف الرأسمالية الجديدة وبجنون ملايين البشر فى غياهب الموت احباطا وجوعا وبطالة ومرضا لتنتفخ الأسهم الخضراء فى بورصات التجبر الرأسمالى .. قبل 100 عام من اليوم انهار العالم أمام حالة كساد كبرى بتدهور سوق الأسهم فى أمريكا والعالم فيما عرف بالكساد العظيم الذى ضرب الأغنياء والفقراء عام 1930 واستمرت توابع زلزال السقوط طوال فترة الثلاثينيات من القرن الماضى، ثم كان السقوط الأكبر باشتعال نيران الحرب العالمية الثانية التى أودت بحياة أكثر من 60 مليون انسان خلال خمس سنوات.

ومن الواضح بعد 100 عام من ازمة ثلاثينيات القرن الماضى ان القوى الكبرى وإن بدت انها استفادت من ويلات الحرب العالمية الثانية، إلا أن الواقع الحقيقى يقول بغير ذلك وأن هذه القوى تنفس عن أطماعها وجبروتها فى عدد هائل من الحروب الإقليمية والأهلية التى تشعلها بغرض استنزاف ثروات كان يمكن أن تقى الفقراء شر فقرهم – ولكن فى قواميس اليمين الرأسمالى المتطرف فى العالم المعاصر أنك لكى تظل غنيا يجب أن يبقى الآخرون غارقين فى مستنقعات الفقر والحروب .. بدأت شريعة الغاب الرأسمالى تكشف عن كامل الوجه القبيح مع الرئيس الأمريكى الأسبق رونالد ريجان الذى حكم أمريكا بين عامى 1881 و1989.

 ويعبر المفكر الاستراتيجى الأمريكى زينجيو بريجينسكى مستشار الأمن القومى فى عهد الرئيس الأسبق جيمى كارتر عن شريعة التوحش الرأسمالى عقب لقاء فيرمونت الشهير فى سان فرانسيسكو – سبتمبر 1995 - والذى ضم قرابة 500 من قادة العالم ومن العلماء والمفكرين لرسم خريطة لعالم ما بعد الاتحاد السوفيتى السابق – قال بريجينسكى: لقد رسمنا فى فيرمونت الخطوط العريضة للنظام الاجتماعى الجديد فى العالم، بلدان ثرية من دون طبقة وسطى تستحق الذكر، أما فقراء العالم وحسب استشهاد بريجينسكى بمقولة الكاتب الأمريكى جريمى ريفكن – مؤلف كتاب نهاية العمل – فإن مستقبلهم يتلخص لدينا فى عبارة واحده لا غير "إما أن تأكل أو تؤكل".

 وأوضح بريجينسكى أن الحليب الذى يملأ ثدى العالم هو لنا ، أما الفقراء - حسب قوله - أمامهم Tittyainment  أى التسلية وكلمه Tits  أى (حلمة) استخدمها المنظر الامريكى للاشارة الى الحليب الذى يفيض عن ثدى الأم المرضع – أى أن نصيب الفقراء خليط من التسلية المخدرة لتهدئة خواطر سكان المعمورة المحيطين بنا .. واعتقد بعد هذا الاستعراض الموجز جدا لتفاصيل قبح استراتيجيات الكبار أن كارثة كورونا رغم أنها تضرب من بيدهم الثدى ومن يبحثون عن نقطة زائدة بالحلمة، فإنها قد تفيق شعوب الدول الكبرى على حقيقة ان قادتهم قد خدعوهم ووضعوهم فى طابور الشعوب الحالمة بفائض الحلمة ( Tits ) لمصلحة حفنة من ديناصورات المال والحروب.