رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

«نحو المستقبل»

حياتنا السياسية والواجب الأخلاقى!

بين الحين والآخر أحب أن أعيد قراءة بعض النصوص الفلسفية، فقراءة أى نص فلسفى أو اعادة القراءة كثيرا ما يخرج منه المرء باجابات عن تساؤلات مهمة يسعى إلى الاجابة عنها أو على الأقل يخرج بتساؤلات جديدة تضىء أمامه طرائق جديدة لادراك المزيد من الحقائق حول الحياة والمستقبل.

وهذا الأسبوع أعدت قراءة كتاب «العقد الاجتماعي» لفلاسفة عصر التنوير والعقد الاجتماعى للثلاثة جون لوك وجان جاك روسو وديفيد هيوم. ولفت انتباهى مقالة ديفيد هيوم عن «العقد الأصلى» التى كان قد نشرها لأول مرة عام 1748م ضمن كتابه «مقالات أخلاقية وسياسية» والتى اهتم فيها لا بالحديث عن العقد الذى يبنى عليه المجتمع السياسى عموما كما كان الحال عند هوبز ولوك وروسو بل عن فلسفة الحكم وشرعية الحكومات وخاصة تلك التى حرص فلاسفة العقد الاجتماعى وخاصة الأخيرين منهم على قيامها على الرضا الشعبى فى المقام الأول. وفى اطار سعيه لنقد هذه النظرية قال كلاما كثيرا عن أن القوة أحيانا والاغتصاب والغزو أحيانا أخرى هى أساس معظم الحكومات الجديدة فى عصره، لكنه حينما أراد أن يدحض تلك النظرية بشكل فلسفى يقوم على الفكر الدقيق والمنظم أدلى بهذه الملاحظة المهمة التى تشير إلى أهمية قيام الحكم والسياسة واقامة المجتمع المدنى المنظم على أساس أخلاقى والتى قال فيها «إن جميع الواجبات الأخلاقية يمكن تقسيمها إلى نوعين: الأول هو الواجبات التى يدفع إليها الناس بغريزة طبيعية أو بنزعة مباشرة تؤثر فيهم.. ومن هذا النوع حب الأطفال وعرفان الجميل نحو المحسن والشعور بالعطف على المنكوبين.. والنوع الثانى هو تلك الواجبات الأخلاقية التى يكون الدافع إليها هو الاحساس بالالتزام عندما نفكر فى مقتضيات المجتمع البشرى واستحالة دعمه إذا أهملت هذه الواجبات.

وهكذا تصبح العدالة أو احترام ممتلكات الآخرين والوفاء أو تنفيذ التعهدات ملزمين ويكتسبان سلطة على البشر... إن غرائزنا الأولية تدفعنا إما إلى الانغماس فى حرية غير محدودة وإما إلى السعى للسيطرة على الآخرين. والتفكير وحده هو الذى يحملنا على التضحية بمثل هذه الأهواء القوية وذلك فى سبيل مصلحة السلام والنظام العام. فقدر صغير من التفكير والملاحظة يكفى لتعليمنا أنه لا يمكن المحافظة على المجتمع دون سلطة حاكم ما وأن هذه السلطة لابد أن تنهار وتصير موضع احتقار إذا لم تحظ بطاعة مطلقة، ومراعاة هذه المصالح العامة الواضحة هى مصدر كل ولاء ومصدر الالتزام الأخلاقى الذى نعزوه إليه». إن هيوم يحاول أن يوضح لنا أن بناء الدول واستقرارها يقوم فى الأساس على وجود حاكم ومحكوم لديهما الاحساس بالواجبات الأخلاقية تجاه الآخرين ولديهما الرغبة والدافع لإقامة مجتمع عادل وليس شرطا ضروريا فى ذلك مسألة الانتخاب أو الرضا الشعبى – رغم أنه لا يقف ضدهما بل على العكس فهو يرى أنهما خير أسس قيام الدول وأكثرها قدسية للحكم العادل – لأن هذا الرضا نادرا ما تم بـأى قدر مهما كان ضئيلا ويكاد من المؤكد فى رأيه أنه لم يحدث مطلقا بأقصى مداه.

والناظر بالفعل فى ما يسمى الآن بالنظم الديمقراطية الراهنة القائمة على الانتخاب والاختيار الحر المزعزم يجد مدى صدق كلام هيوم، فما هذه الديموقراطيات إلا أسماء سميناها دون أن تحقق بالفعل ذلك الرضا الشعبى الكامل أو حتى جزءا منه، بل تقوم على توجيه خبيث للرأى العام من قبل مجموعة منتقاة من أنصار هذا الحزب أو ذاك أو من خلال أنصار هذا الشخص الراغب فى الحكم أو ذاك مستخدمين فى ذلك وسائل شتى بعضها مشروع وأغلبها غير مشروع!! وصدق مايكل بارنتى صاحب كتاب «ديموقراطية للقلة» حينما قال «إن السياسى يلعب الدور نفسه الذى تلعبه العاهرة باستغلال كل منهما للمظاهر والوعود من أجل تسويق النفس، فالسياسى يعمل من أجل الاقتصادى، والاقتصادى الناجح هو الذى يجعل الآخرين يعملون من أجله ليزيد من ثروته ويحقق مصالحه وهذه المصالح لا تكون وطنية دائما»!!. فهل حقا أن واجبنا الأخلاقى أمام أنفسنا وأمام الآخرين فى المجتمع يحتمان على الجميع الطاعة والولاء لحاكم طالما تتحقق معه العدالة والسلام الاجتماعى ومصلحة الجميع المشتركة وليس مصلحة قلة هنا أو قلة هناك؟!

malnas[email protected]