رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

عن حاجتنا لـ«ابن مقفع» جديد!

لا أدرى سبب ورود هذه الفكرة على ذهنى الآن؟ هل هو ما نحياه على الصعيد العربى أم غرابة ما تم طرحه إلى الحد الذى كان يثير تساؤلات عديدة بشأن أبعاد الوصول إلى هذا المدى من التفكير؟ فقد كنا كصحفيين من بلدان عربية مختلفة نعمل فى جريدة «البيان» الإماراتية فى فترة من الزمن أقرب إلى جامعة عربية مصغرة، فمنا التونسى ومنا الموريتاني، ومنا السورى وكذا اللبنانى والأردنى والفلسطيني، والعراقى.. وبالطبع المصري.. إلخ.. فيما كانت الصورة مع باقى العاملين من فنيين ومصورين تشير إلى أننا نعيش فيما يشبه الأمم المتحدة!

كنا كمغتربين نحاول أن نلوذ ببعضنا أو نقتل الوقت نجتمع بين الفينة والأخرى فى لقاءات أقرب إلى العفوية، بدون ترتيب مسبق، على كافتيريا محددة بكورنيش البحيرة فى إمارة الشارقة حيث نجتر الذكريات ونعبر عن خواطرنا فيما يدور بيننا وما يهم بلداننا. كان العالم العربى آنذاك يواجه عواصف متنوعة من كل حدب وصوب قبل أن تصل إلى ذروتها فى عاصفة الصحراء الثانية التى أطاحت بصدام. كان الحكام الشموليون الذين تصور مواطنوهم أنهم أصبحوا مخلدين فى الحكم يمثلون حبات مثل حبات العقد ممتدين بين دولنا العربية هنا وهناك شرقا وغربا، بدءا من العراق مرورا بسوريا، وليس انتهاء بليبيا أو تونس فى الغرب، وهى حبات سرعان ما انفرطت فيما بعد!

رغم كل شىء، فإن المصريين كانوا يشعرون كعادتهم بقدر من التميز باعتبار أن نظام الرئيس الأسبق مبارك فى تلك الفترة ومهما كان هناك ملاحظات على نظام حكمه يمثل نوعا من الديمقراطية ربما تاق إلى مثيلها مواطنو الدول العربية المشار إليها أو غيرها، فقد كانت الأصوات المعارضة ترتفع فى مواجهته إلى الحد الذى تصور معه البعض بأن الأمور هى أقرب إلى الفوضى منها إلى المعارضة، وكان فى ذلك التصور بعض الحقيقة وإن لم تكن كلها.

المهم، وحتى لا يتوه الموضوع من بين يدي، وحتى لا يتوه القارئ بين هذه السطور، فخلال أحد اللقاءات فاجأنا أحد الحاضرين العراقيين بالتأكيد أنه إزاء ما يعيشونه من تضييق على الحريات، خاصة فى التعبير فإنه ربما لا يكون أمامهم سوى تمنى أن يكون بينهم ابن مقفع جديد! بدت الفكرة غامضة ومثيرة للتساؤل بشأن ماهيتها وسبب طرحها على هذا النحو؟

رغم أن البعض التقط مضمون الفكرة إلا أن صاحبنا راح يفصل، فيشير إلى أن ابن المقفع (106-144 هـ) وإزاء الظروف السياسية التى واجهها خلال حكم الخليفة المنصور والذى كان يعرف بقوة بأسه وشدته على من يخالفه، لجأ إلى ترجمة كتاب «كليلة ودمنة» الكتاب الأشهر فى الأدب العربى والعالمى والذى تقوم فكرته الأساسية على تقديم النصح بشكل غير مباشر للحاكم، وأضاف إليه بعض القصص من تأليفه وعدل فى بعضها، بل إن البعض يرى أن الكتاب بأكمله من تأليف ابن المقفع وإن قصة ترجمته وأصوله الهندية تلك ليست سوى وسيلة للتهرب من تأليف كتاب قد يبدو مضمونه، رغم أنه بالغ فى الرمزية، موجها للحاكم.

وسواء كانت الفكرة ترجع لابن المقفع أم مؤلف الكتاب الأصلى فى لغته السنسكريتية، فإن الأكثر دهشة وغرابة أن المؤلف لجأ – للتمويه–إلى الحيوانات والطيور لتلعب دور البطل فى الكتاب والرمز إلى شخصيات حقيقية، وهى تعرض للعديد من القصص أبرزها العلاقة بين الحاكم والمحكوم، على لسان الحكيم الهندى بيدبا لملك الهند دبشليم.

المفارقة فى قصة هذين الأخيرين أن الملك دبشليم، لمن لا يعرف القصة أو لتذكير من يعرفها بتفاصيلها، كان قد أتى كزعيم شعبى باختيار الجماهير بديلا للحاكم الأجنبى الذى عينه الإسكندر ليواصل بعده اجتياح بلاد الهند. ولكن يبدو أن بعض الحكام لا يرون بديلا لقمع شعوبهم فتبدل دبشليم ذاك من ملك عادل رحيم إلى طاغية ما دفع بيدبا لتقديم النصح له ولكنه لم يفلت من قبضته، حيث غضب منه وأمر فى البداية بقتله وصلبه قبل أن يقرر الاكتفاء بحبسه!

رغم أننى قرأت «كليلة ودمنة» فى مرحلة الثانوية، إلا أننى أعترف بأننى لم أفهمها على ذات النحو وفهمت ظاهرها فقط ولم يتجاوز عقلى الأمر إلى ما هو أبعد! إلا أن حكى صديقى الذى كان يأتى على وقع القهر الذى عاشه العراقيون على يد صدام حسين قبل رحيله خلال الغزو الأمريكى للعراق، كان إضاءة مهمة على جوهر الكتاب، وفى الوقت ذاته إضاءة على عدم تبدل أحوال عالمنا العربي، زاد من ذلك أنه بعد أكثر من 15 عاما على رحيل صدام وغيره من مناظريه، فإن جوهر الحال لم يتغير رغم أجواء الربيع العربى التى تقترب من الفوضى فى بلدان عربية مختلفة، حتى ليبدو لك وكأن قدر المواطنين العرب، أن يظلوا يراوحون العيش بين ثنائية الطغيان أو الفوضي!

رغم غرابة الفكرة إلا أن جوهرها يبقى قائما، فما زلنا للأسف فى عالمنا العربى، ونحن فى القرن الحادى والعشرين، حيث اتسع فضاء التعبير الإنسانى إلى أوسع مدى من خلال الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، فى حاجة إلى شخصية مثل ابن المقفع لتفعل فعلها المطلوب فى كل زمن وحين من نصح للحاكم بأسلوبها الرمزى، النصح الذى ربما لا يصلح حكمه إلا به!

[email protected]

البريد المصري

اعلان الوفد