رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نحو المستقبل

الشيخ مصطفى عبدالرازق رائد الدرس الفلسفى المصرى (1) من (2)

بين الحين والآخر يحتاج المرء أن يعيد قراءة بعض الكتب التى ساهمت فى تكوينه الفكرى، فضلا عن أهميتها القصوى فى تخصصه، أقول هذا الكلام وأنا أعيد الآن قراءة كتاب «تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية» للعلامة الشيخ مصطفى عبدالرازق الذى يظن البعض خطأ أن أهميته فى تاريخ مصر الحديثة أنه كان شيخا للأزهر الشريف وأنه قد تولى وزارة الأوقاف فترة من حياته! والحقيقة التى تغيب عن البعض أن الشيخ مصطفى كان إلى جانب ذلك وغيره، كان مؤسسا ورائدا للدرس الفلسفى فى مصر، حينما انتمى فترة من حياته إلى جامعة القاهرة وترأس قسم الفلسفة فيها.

إنه يعتبر المؤسس الحقيقى للدراسات الفلسفية الإسلامية فى النصف الأول من القرن العشرين فى مصر والعالم العربى، فبالإضافة إلى جهوده الخلاقة فى إصلاح الدراسة فى الأزهر الشريف كان له دوره المشهود فى إصلاح منهج الدراسات الفلسفية الإسلامية بعد أن كانت الغلبة فى هذا المجال لمؤلفات وآراء المستشرقين الذين لم يكونوا فى مجموعهم منصفين أو مدركين لأصالة الفلسفة الاسلامية وقد أسس الشيخ فى ذلك مدرسة فلسفية تربى فيها عدد من التلاميذ وكان لهذه المدرسة أثرها البالغ فى تطوير الدراسات الإسلامية عامة والفلسفية منها على وجه الخصوص.

ولد الشيخ مصطفى عبدالرازق عام 1885م فى قرية أبى جرج مركز بنى مزار بمحافظة المنيا بصعيد مصر، ونشأ فى أسرة عريقة، إذ كان والده الشيخ حسن عبدالرازق باشا شخصية سياسية واجتماعية مؤثرة فى عصره فقد كان عضوًا فى المجالس النيابية والتشريعية فى عصر الخديو إسماعيل كما رأس حزب الأمة. وقد حرص الأب منذ البداية على أن ينال ابنه كل الرعاية والتعليم فألحقه بكُتَّاب القرية منذ السابعة من عمره ليحفظ القرآن ويتعود على قراءته فيكسبه فصاحة اللسان والقيم الأخلاقية والدينية الرفيعة، ثم ألحقه بالأزهر وهو ابن الحادية عشرة من عمره فتلقى التعليم الأزهرى التقليدى فى البداية إلى أن حدثت طفرة كبرى فى حياته التعليمية والعلمية حينما التقى بالشيخ محمد عبده الذى كان صديقًا لوالده فهجر التقليد وأصبح كأستاذه الإمام من أشهر دعاة الإصلاح الدينى والعلمى والاجتماعى وظل متابعًا ومخلصًا فى مساندته إلى أن توفاه الله عام 1905م، فحزن على فراقه حزنًا شديدًا وظل على وفائه لتعاليمه ولدعوته إلى الإصلاح بقية حياته، نجح فى اجتياز اختبار العالمية بالأزهر بتفوق عام 1908م وعين فى نفس العام مدرسًا بمدرسة القضاء الشرعى ولم يستمر فيها طويلاً، حيث سافر إلى فرنسا فى عام 1909م ليقضى هناك ست سنوات درس خلالها اللغة الفرنسية وتتلمذ على يد عالم الاجتماع الفرنسى الشهير إميل دور كايم وعلى دروس الأستاذ جويلو فى الفلسفة والأدب الفرنسى، كما استمع إلى دروس العديد من أساتذة الفلسفة والأدب الفرنسيين. وعين فى نفس الفترة محاضرًا للشريعة الإسلامية بجامعة ليون وتولى تدريس اللغة العربية بها. وقد أعد الشيخ مصطفى رسالته للدكتوراه عن «الإمام الشافعى أكبر مشرعى الإسلام» وعاد بعد ذلك إلى مصر عام 1915م.

ولعلنا نلاحظ أن نشأته قد تميزت بتأثير عاملين مهمين، أولهما النشأة الدينية والتربية الأزهرية التى أكسبته عنصر الأصالة بالإلمام بجوانب الثقافة الإسلامية من معينها الأصلى (الأسرة الإسلامية العريقة والتعليم بالأزهر الشريف). وثانيهما، الثقافة الأوربية التى تأثر بما فيها من جوانب منهجية عميقة من خلال دراسته للمنطق والفلسفة والآداب الفرنسية. ولا شك أن هذين العنصرين قد امتزجا فى شخصيته التى أصبحت معلمًا بارزًا من معالم النهضة المصرية الحديثة التى تمزج بين الأصالة والمعاصرة مزجًا بدا واضحًا ليس فى شخصيته فقط، بل فى كتاباته ومقالاته أيضًا وفى كل ما تولى من وظائف ومهام بعد ذلك.

وقد شهدت المرحلة الثانية من حياته التى بدأت بعودته إلى القاهرة نشاطًا علميًا واجتماعيًا وسياسيًا واسعًا؛ حيث عين بمجرد عودته من فرنسا موظفًا بالمجلس الأعلى للأزهر وفى ذات الوقت بدأ يستقبل فى بيته كوكبة من رجال الفكر والسياسة والأدب فى ندوة كانت السبب فى إثارة الأزهريين ضده، ما جعله يستقيل من هذه الوظيفة ويشترك فى الجمعية الخيرية الإسلامية عام 1916م التى ظل عضوًا بها إلى أن اختير عام 1920م فى مجلس إدارتها ثم انتخب وكيلاً لها عام 1941م، ثم رئيسًا لها عام 1946م. وفى ذات الوقت عين مفتشًا بالمحاكم الشرعية. ومن أبرز الوظائف التى شغلها وظيفة أستاذ مساعد للفلسفة فى كلية الآداب جامعة فؤاد الأول عام 1927م والتى كان لتعيينه فيها صدى كبير فى الأوساط الثقافية وفى حياته العلمية فى آن. وتدرج فى الجامعة حتى صار أستاذ كرسى الفلسفة عام 1935م وكان بذلك أول أستاذ مصرى للفلسفة الإسلامية بالجامعة المصرية.

وقد اختير فى ثنايا ذلك وزيرًا للأوقاف وشغل هذا المنصب عدة مرات ومع ذلك لم يشغله منصبه الوزارى هذا عن مواصلة رسالته التعليمية والعلمية فى الجامعة فواصل أداء دوره فيها مرشدًا لتلاميذه سواء فى محاضراته داخل الجامعة أو فى مناقشاته وإشرافه على الرسائل الجامعية أو فى مؤلفاته الرصينة.

وقد كان عام 1945م آخر المنعطفات الهامة فى حياته، حيث عين شيخًا للأزهر، وحينئذ تنازل عن لقب الباشوية الذى لا يلائم هذا المنصب الخطير. وبدأ طريق الإصلاح والتحديث للمناهج الأزهرية التى حققت كل الخير للأزهر والأزهريين بفضل سعة أفق الشيخ وثقافته الفلسفية الدينية الواسعة. ولكن سرعان ما سقطت راية الإصلاح والتجديد من يديه بوفاته فى الخامس عشر من فبراير 1947م بعد حياة عملية وعلمية مثمرة وحافلة.