رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رؤى

قنديل الشيخ بكرى

بطل هذه الواقعة هو الشيخ نورالدين على البكرى(ت 724هـ)، من أتباع المذهب الشافعى، ذكر فى ترجمته: كان ينسب نفسه إلى أبى بكر الصديق، قرأ مسند الشافعى، وكان ممن ينهون عن المنكر، مدحته كتب الشافعية (السبكى، ت771هـ، والأسنوى، ت772هـ، وابن قاضى شبهة 851هـ) وألمحت للواقعة.

 الواقعة جرت سنة 714هـ، فى زمن الناصر قلاوون (ت 741هـ)، تحديدًا فى فترة ولايته الثالثة، لأهميتها وطرافتها بحثت عن المصادر التى سجلتها، وحسب المتيسر عثرنا عليها فى 13 مصدرًا، منها: البداية والنهاية لابن كثير(744هـ)، والعبر للذهبى(ت748هـ)، وأعيان العصر للصفدى(ت764هـ)، ومرآة الجنان لليافعى (ت 768هـ)، والسلوك للمقريزى(ت 845هـ)، وحسن المحاضرة للسيوطى (ت 911هـ)، أقدم رواية جاءت فى نهاية الأرب للنويرى(ت 733هـ)، وأحدثها «شذرات الذهب» لابن عماد (ت 1089هـ).

نذكر هذه الواقعة ليس لطرافتها وأهميتها فحسب، بل لكى يثق القارئ بأن التسامح من أهم صفات المواطن المصرى، تربى عليه منذ نعومة اظافره، ومن شواهده ترديده مقولة: .. وكل من له نبى يصلى عليه». صحيح هناك من يشذ عن القاعدة: بفكر، بفعل، بقول، مثل شيخنا هذا، لكن القاعدة بحمد الله ثابتة وقوية.

قبل عيد ميلاد المسيح، اكتشف قس الكنيسة المعلقة أن الأضواء غير كافية للاحتفال بالعيد، مال على صديقه وجاره إمام مسجد عمرو بن العاص(الشيخ القسطلانى)، استسمحه أن يعيره بعض قناديل المسجد ليضيء الكنيسة ليلة العيد، ببساطة نزع إمام المسجد القناديل ووضعها فى يده، متمنيًا لهم عيدًا سعيدًا، الشيخ نورالدين البكرى، كان ممن يأمرون (حسب طبقات الشافعية) بالمعروف، علم بالخبر، جمع فرقة من البكريين أتباعه واقتحم الكنيسة، رفع القناديل، وحطم الزينة، وأفسد على المسيحيين احتفالات العيد، وعاد إلى المسجد وتطاول على الإمام، وهرب القسطلانى قبل أن يفتك به.

الخطيب شكا لناظر الجيش، رفعها الأخير فى اليوم التالى للسلطان، غضب قلاوون غضبًا شديدًا، فى الصباح الباكر صعد البكرى إلى القلعة، وطلب مقابلة السلطان، بعد أذان العصر سمح له بالمقابلة بحضور القضاة والمشايخ والأمراء، حاول تبرير الواقعة فى خطبة تجاوز فيها الحدود، ذكر من الآيات والأحاديث التي تتضمن معاداة النصارى، وأخذ يحط عليهم، وأشار إلى السلطان بكلام فيه جفاء: «أفضل المعروف كلمة حق عند سلطان جائر. وأنت وليت القبط المسالمة، وحكمتهم في دولتك وفي المسلمين، وأضعت أموال المسلمين في العمائر والإطلاقات التي لا يجوز، فقال السلطان له:

ــ ويلك! أنا جائر؟

ــ فقال: نعم! أنت سلطت الأقباط على المسلمين، وقويت دينهم السلطان لم يتمالك نفسه، أخذ السيف وهمّ بضربه. أمسك الأمراء يده، وما زالوا به حتى أمسك عنه، فتدخلوا واستسمحوا العفو عنه، قلاوون انتهى إلى: قطع لسانه، أخذه الحاجب، وأنامه على الأرض، ارتجف وبكى وطلب العفو:

ــ أنا في جيرة رسول الله

 كررها حتى رق الأمراء والفقهاء، طلبوا من السلطان العفو، استجاب قلاوون وأمر بنفيه خارج القاهرة»، نزل البكري من القلعة إلى بلدته فى الصعيد، وعاش هناك منفيًا ذليلًا حتى وفاته سنة 724هـ.

 

[email protected]