رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

«نحو المستقبل»

رسائل تنويرية من الإمام الفيلسوف الشيخ محمد عبده «2»

لقد أدرك الإمام أهمية الاقتصاد بالنسبة إلى السياسة واستقرار المجتمع فقال: «إن الاقتصاد هو فضيلة من فضائل الإنسانية الجليلة، بل هو من أهمها، مدحته جميع الشرائع وبينت فوائده، وهو كغيره من الفضائل مركب من أمرين: بذل وإمساك وأعنى أن الاقتصاد هو التوسط فى الإنفاق.

كما أدرك الفرق بين الإنتاج والاستهلاك باعتبارها أحد المقاييس المهمة فى قياس مدى تمدن الأمة وتحضرها، فإذا كانت الأمة تنتج ما تستهلكه وتزيد عليه فهى متقدمة، وإذا كان العكس ووقفت عند مجرد الاستهلاك فهى متخلفة وإن لبست لباس العز الزائف. وهو يقول فى ذلك: «إن الأمم المتمدنة وإن أنفقت الأموال الكثيرة فى تشييد القصور وتزيين الملابس وتحسين الأساس إلى غير ذلك من المصارف فإنما يكون على نسبة مخصوصة من إيراداتهم الحائزين لها بالكد والتعب فى إبراز المصنوعات الجميلة والمخترعات الجميلة التى تكسب صاحبها فى قليل من الزمن ثروة واسعة وقدراً رفيعاً، ولا يجيزون الإنفاق من رأس المال إلا إذا مست ضرورة لا محيص عنها، ومع ذلك فنفقاتهم هذه لا تتجاوز حد اللزوم ولا تخرج عن دائرة احتياجاتهم».

ولعل قائل يقول هنا: لقد ركز الإمام على الاقتصاد باعتباره الأساس لقياس تمدن الأمم وتحضرها، ولهذا القائل أقول إنه لم يركز على الاقتصاد إلا باعتباره ثمرة من ثمار التقدم المعرفى والعلمى فى الأمم المتقدمة.

انظر إليه يقول فى عبارة تكاد تجعله يعيش معنا الآن فى عصر ما يسمى «قوة المعرفة» و«المعرفة قوة» عصر القرن الحادى والعشرين يقول الإمام منذ أكثر من مائة عام: «إن التغالب فى هذه الأوقات أصبح معظمه- إن لم أقل جميعه- تغالب الأفكار والآراء، فالأمة ذات البسطة فى الأفكار والمهارة فى المعارف هى الأقوى سلطانا والأقوم سياسة وهى الغالبة على من سواها».

وفى هذه العبارة ما فيها من تأكيد أن التنافس بين الأمم إنما يكون فى الأساس تنافساً فى كم ما تمتلكه هذه الأمة أو تلك من أفكار وعلوم جديدة، حيث إن من يملك قوة المعرفة والفكر هو الأقوى سلطاناً والأقوم سياسة.

ولا يظنن أحد أن محمد عبده هنا ينظر بعين الإعجاب والإعجاز للأمم الغربية المتقدمة التى تمتلك الآن ومنذ أيامه بالطبع قوة المعرفة وصناعة التقدم، فالحقيقة أنه لا يقول ذلك إلا ونصب عينيه تقدم وصلاح أحوال وطنه وبلده مصر، فإذا كان العلم أساس التقدم وكثرة الخيرات، فإنه يرى أن مصر والمصريين لديهم إمكانية أن يصلوا إلى تحقيق هذا التقدم؛ إذ إن خصوبة أرض مصر واعتدال مناخها وتحمل أبنائها مكابدة العمل تعد عناصر يمكن أن تجعل من مصر دولة غنية «لا تفنى كنوزها ولا تفرغ خزائها وأنها بما يأتى من الثمرات لقادرة على حفظ ناموسها وتقوية شوكتها، بل أن تكون سلطتها مبسوطة إلى أقطار أخرى».

إذن ففى رأى محمد عبده، أن مصر تملك المقومات الطبيعية الأساسية للحصول على الريادة والتقدم بما تملكه من ثروات مادية وبشرية، كل ما هنالك أن على المصريين- على حد تعبير الإمام- أن يحسنوا «استعمال هذه الأسباب الجليلة.. ليوضع كل شىء فى موضعه الطبيعى وتستعمل كل وسيلة لما يناسبها».

وهذا لا يتأتى إلا بالعلم الذى يؤدى امتلاكه وحسن تطبيقه إلى تجنب ضلال الآراء وسوء الاستعمال المقترنين دائماً بالفقر والضعف والانحلال.

فهل إلى ذلك العلم من سبيل وهل إلى التقدم والرقى نحن سائرون أم أننا سنظل نرزح تحت نير سوء الفهم وسوء الاستخدام ومن ثم سنظل نشكو الفقر والضعف؟

إن الإجابة عن هذه التساؤلات من شأننا نحن الآن. وإن كان قد مضى على هذه التحذيرات والتفاؤلات التى أطلقها الإمام أكثر من مائة عام فإن علينا الآن، وبعد مضى كل هذه السنوات ونحن لانزال نعانى من الفقر والضعف أن نفيق وأن نواجه تقدم الآخرون بسلاح العلم وأن نحسن استغلال ما لدينا من ثروات طبيعية وبشرية حتى يمكننا العودة إلى مصاف الأمم المتقدمة، الغنية بثرواتها وبعلومها وعلمائها ومفكريها.

إن علينا الآن أن نحسن التفكير فى استخدام ما لدينا من إمكانيات متسلحين بسلاحى التقدم عند الإمام: الأخلاق والعلم، أو العلم والأخلاق، ولا يهم أى منهم يتقدم على الآخر لأنهما فى سبيل التقدم الحضارى للأمم حدان متضايقان لا يغنى أحدهما عن الآخر ولا يوجد أحدهما بدون الآخر.

 

[email protected]