رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مراجعات

مثالية زائفة

حياتنا اليومية بكل تفاصيلها، تظل واقعًا ملموسًا، نتحكم فيه بإرادتنا، سواء أكنا مُرغمين كارهين، أو راضين قانعين.. لكن كثيرين يُفضِّلون العيش في أوهام عالم افتراضي، بمثالية زائفة.

مع ثورة التكنولوجيا التي اجتازت حدود الزمان والمكان، بسرعة تفوق الخيال، تبدَّلت مواصفات ساكني هذا الخيال الافتراضي، الذين يقضون معظم أوقاتهم في «هوس» هذا العالم، بعيدًا عن «الواقع» المليء بالموبقات.

ربما نلحظ ذلك بوضوح في الأعياد الدينية والوطنية والمناسبات الاجتماعية، بما يصاحبها من أجواء وطقوس، اختفت فيها الفرحة والبهجة، وطغت عليها عادات التباهي والتفاخر، لتفقد رونقها وخصوصيتها.

عند كل مناسبة أو عيد، نلحظ طوفانًا وإعصارًا من التهاني والتبريكات «المعاد إرسالها»، تفتقر إلى المشاعر الحقيقية، ودفء العلاقات ـ يمكن وصفها بـ«المستعملة» ـ حيث يكتفي بها هؤلاء لـ«سد الذرائع»، و«تسديد خانات»، وعمل الواجب «مجانًا»!

لعل أبرز سمات شاغلي العالم الافتراضي، أن كثيرًا منهم «يتجملون».. يتعمدون الكذب على أنفسهم قبل الآخرين، ويخدعون ذواتهم فقط، رغم إدراكهم أنهم يعيشون في مرحلة يائسة من «وهم» لا شفاء منه!

ترى هؤلاء «يسكنون» هذا العالم الوهمي، بصفات وأسماء حقيقية أو مستعارة، ليس لهم منها نصيب.. فهُم حكماء، يناقشون ويحاورون، يتآلفون ويشتاقون، يحبون ويكرهون، يندفعون ويحذرون.. لكنهم في النهاية يظلون مجرد أشباح!

غالبًا يلجأ هؤلاء «النرجسيون» أصحاب الأنا والغرور، إلى الانتقائية.. يتصنعون جميعم مثالية زائفة، على خلاف الحقيقة.. يتذكرون فجأة موتاهم الذين قضوا منذ ربع قرن، ويصلون أرحامهم (المقطوعة بالأساس)، ويُعطون نماذج فريدة في الحكمة والموعظة الحسنة!

نتصور أنه قد يكون هذا العالم «الافتراضي» وسيلة للتعبير عن مكنونات الذات، أو لإخراج مكبوتات المطحونين والمهمومين والمظلومين أو المقهورين، من خلال «فضفضة» أو «إسقاطات»، للتنفيس عن احتقان أو غضب ما.

لكن من غير المقبول في هذا العالم «البارد» الخالي من المشاعر الحقيقية، أن يكون جسرًا يعبره الآخرون ليقدموا أسوأ ما فيهم من قُبح وكذب، لنراهم مثاليِّين صادقين، ومتديِّنين خيِّرين، أصحاب نيَّات حسنة، آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، بارُّون بآبائهم وأمهاتهم، صابرون على نوائب الدهر.. محتسبون عند الله لما ألمَّ بهم!!

الحقيقة أن معظم هؤلاء اُبتليت بهم المثالية المزيَّفة، لأنهم ببساطة يعانون في الواقع من عُقَدٍ وأمراض نفسية، تلاحقهم وتلازم مسيرتهم، وغير مدرِكين أن هناك لحظة ما، تتلاشى فيها تلك الحدود الفاصلة بين «الواقع» و«الخيال»!

الشيء المؤسف أن مشاعر الكثيرين باتت جزءًا من هذا الفضاء الإلكتروني، يعبِّرون عنها بملصقات «إيموجي» أو بكبسة زر، للتعبير عن الحزن والغضب أو السعادة، حتى أصبحت الأحاسيس مرتهنة بتلك الملصقات!

هذه الملصقات لم تعد فقط للتعبير عن المكنونات، أو التنفيس عن الكبت والقهر في فضائها، بل أصبحت إهدارًا للوقت وللمشاعر والحروف والكلمات، وكل ما يجب أن يتم التعبير عنه، كما ينبع من القلب، أو بحسب الرغبة الحقيقية والتمني!

إذن، الحاصل أن «الحالة»، أو كلمة «متصل» أو «نشط الآن» أعلى الشاشة أو أسفلها، أصبحت وسيلة وحيدة للتواصل مع من نحب، سواء بالتعليق أو الإشارة أم عبر رسالة عابرة، لمعرفة أنهم بخير، أو لا يزالون على قيد الحياة!

بكل أسف، أصبحنا الآن مجرد دُمى بمشاعر تكنولوجية.. وفي كل يوم يُضاف شعور جديد على شكل ملصق باهت، تم تسويقه لنا كإضافة جديدة في عالمنا الافتراضي، تقبلناه كواقع فُرض علينا في صحراء مشاعرنا القاحلة الكاذبة، جعلتنا أرواحًا هامدة لا روح فيها!

[email protected]