رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

الإسكان الاجتماعى.. سلعة خدمية أم إنتاجية؟

هذا سؤال إجابته صعبة، ولو اشترك أربعة فى الرد عليه لقدموا خمس إجابات!! وهو يشبه إلى حد كبير السؤال الأزلى حول أيهما يأتى أولاً: البيضة أم الدجاجة.. ولا تتصور من هذا الكلام أنه سؤال فلسفى.. بالعكس يمكن لرجل الشارع البسيط أن يقدم إجابة مفحمة عليه تسكتك وتسكتنى. وأهمية السؤال وإجابته أنه يساعدنا فى تقييم الكثير من التوجهات الاقتصادية الحالية فى ضوء الحقيقة التى يلمسها أى طفل شب عن الطوق فى المحروسة من أن مصر تحولت لورشة بناء كبرى أحد عناوينها او يافطاتها الأساسية الإسكان الاجتماعى.

فى إجابتى سأحاول أن أقف فى المنتصف وأقدم لك تصوراً يصيبك بالحيرة كما فعل «ابن رشد» فى «تهافت التهافت» فى رده على «الغزالى» حين رفض تكفيره للفلاسفة فى مسألة قدم العالم، مشيراً الى أنه -العالم- ليس حادثاً أو قديماً، وإنما قديم حادث.

فى تقديرى أن الإسكان الاجتماعى سلعة خدمية وإنتاجية فى آن واحد وأن ترجيح أحدهما يتوقف على الزاوية التى تنظر َمنها للموضوع.

فلو نظرت للأمر على المستوى الداخلى لأمكنك القول بالرأيين معاً، حيث يقدم فى المجمل على أى مستوى للنظر سلعة خدمية تسهم فى تحسين مستوى معيشة المواطن وترتقى بحياته، ما قد يؤدى على المدى الطويل إلى نتائج إيجابية تنعكس على مستوى الرفاهة، فى ضوء حقيقة ازدهار العشوائيات، وبؤس أحوال السكن لقطاع غير قليل من المواطنين.

وهو -الإسكان الاجتماعى- من نفس الزاوية سلعة إنتاجية تتم عليها تعاملات مالية من بيع وشراء لشىء مادى ملموس ويمكن الإمساك به ومبادلته وغيره من كافة الأمور التى تسرى على السلع الإنتاجية، كالمزروعات والصناعات.

ليس ذلك فقط، بل إن ازدهار الإسكان الاجتماعى وشاكلته من المشروعات فوائد جمة أخرى على رأسها الدفع بحركة إنتاج كافة السلع والصناعات المرتبطة بالمعمار والتى تصل حسب تقدير البعض لنحو 65 صناعة وسلعة مثل صناعة الطوب والسيراميك ومواد الدهانات.. وهلم جرا. هذا فضلاً عن تسريع دوران عجلة الاقتصاد من خلال تنشيط مثل تلك الصناعات وكذا الدفع بحركة العمالة والتشغيل قدماً إلى الأمام.. اضرب هنا مثلاً بما ذكره البعض من أن حجم العمالة التى تستوعبها العاصمة الإدارية يقدر بنحو 175 ألف فرصة عمل. كل تلك مؤشرات طيبة وتبعث على الراحة والارتياح.

غير أن الصورة قد تتغير إذا نظرنا للموضوع من زاوية علاقاتنا مع الآخر أو الغير أو بمعنى آخر إسهام حالة زيادة إنتاج سلعة الإسكان الاجتماعى على الميزان التجارى للدولة. هنا ستنتهى إلى أنه ليس سوى سلعة خدمية بحتة لا أكثر ولا أقل، فمن المؤكد والمعلوم من الاقتصاد بالضرورة أنه لن يسهم فى تحسين ميزاننا التجارى لأنه سلعة على هذا المستوى لن تباع ولن تشترى. على العكس فإن التوسع فى إنتاج هذه السلعة أياً كان توصيفها وعلى النحو القائم يمكن أن يؤدى فى المحصلة النهائية إلى عجز بالغ وكبير فى الميزان التجارى للدولة. والسبب أن الكثير من الصناعات والخامات التى تمثل المكونات الأساسية لتلك السلعة يتم استيرادها من الخارج. فلكى تتوسع فى المساكن لا بد من زيادة فى استيراد خامة البليت لصناعة الحديد.. ولا بد من التوسع فى استيراد الأخشاب لصناعة الأبواب وغيرها من الصناعات الخشبية، والمشكلة أن هذا الاستيراد ذو طريق واحد حيث لن تتم إعادة تصديره بطريقة أو بأخرى لاستعادة على الأقل ما تم دفعه من عملة صعبة.

ولأن حجم المنفق على بند واحد هو مجال حديثنا يتجاوز المائة مليار جنيه وأكثر.. لك ان تتصور سبب هذا الحديث الطويل وما صاحبه من إطناب ولف ودوران قد يكون بدا لك مملاً من أجل توصيل الفكرة.

هل أصبت أم أخطأت؟ الحكم لك أنت -القارئ- وحدك فى النهاية.

[email protected]