رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

على فكرة

أمل ورجاء لوزيرة الثقافة

 

لا أظن أن ظاهرة فنية شغلت الرأى العام العربى وأثرت فيه، وحظيت بإجماع على متابعتها ومحبتها مثل ظاهرة الشيخ إمام عيسى وأحمد فؤاد نجم. وفى مثل هذا الشهر قبل ثلاثة وعشرين عامًا، رحل عن عالمنا الشيخ إمام عيسى (2يوليو 1918-7 يونيو 1995) لم يكن غريبا حين ذهبت إلى سرادق عزائه أن أجد حشودا من الناس، أطفالًا وشبابًا وشيوخًا، رجالًا ونساء فتيانا وفتيات، شعبيين ورسميين، كتابا وصحفيين، أدباء وفنانين، طلابًا ومهنيين، سياسيين وحرفيين، مصريين وعربًا، كل هؤلاء جاءوا يودعون جزءًا من تاريخهم، وتاريخ أوطانهم المضيء. نجح الشيخ إمام فى جمع كل هؤلاء فى سرادق عزائه، كما سبق أن نجح فى جذبهم إلى غرفته المتواضعة فى حارة «حوش قدم» فى حى الغورية الشعبى فى قلب القاهرة المملوكية، ليستمعوا إلى ألحانه ويرددوها معه، وينقلوها عنه عبر أشرطة الكاست للإذاعات العربية فى المنطقة وفى خارجها فى الدول الأوروبية.

ساهمت هزيمة يونيو 1967 فى تغيير مسيرة الشيخ إمام، من شيخ كفيف يتلو آيات القرآن الكريم فى المساجد، ويؤذن بها، وينشد أهازيج دينية فى حلقات الذكر، ويعزف مقطوعات موسيقية على عوده ويغنى بعض الأغانى لسيد درويش وعبدالوهاب وأم كلثوم، بعد أن لقنه الشيخ درويش الحريرى علم الموسيقى، إعجابًا بصوته وإيمانًا بموهبته، وأدخله عالم فنانيها، ليصبح أحد أفراد فرقته الفنية المتجولة فى القرى والحوارى للإنشاد الدينى والأغانى فى الموالد والأفراح، وسنيدًا فى تخت زكريا أحمد. ومع أنه التقى نجم فى عام 1962، وغنى له بعض أشعاره العاطفية البديعة، وبينها أغنيات باسهر وبنام وأنا كلى غرام، وعشق الصبايا، وأنا أتوب عن حبك أنا وغيرها، لكن ما أن حلت الهزيمة، حتى تعدل المسار، بدأت أغانى الشيخ إمام ونجم تغزو كل التجمعات، فى المقاهى، والنقابات، ومدرجات الجامعة، وفى البيوت، والنوادى، وفى المسيرات والمظاهرات، تحتج على الهزيمة، وترفض استمرارها، وتتصدى للمنكسرين والمهزومين فى أنحاء الأمة والوطن وتندد بالمستبدين والظالمين والمستسلمين والفاسدين من كل حدب وصوب، وتدعو للمقاومة وتبشر بالأمل فى النصر، لتغدو هذه الظاهرة الفنية الفريدة أيقونة ورمزًا لمقاومة الطغيان والاستبداد والتبعية للاستعمار وفضحًا لأعوانه.

 وبين حفلة وأخرى كان الشيخ إمام يخرج من قفص اتهام بمحاولة قلب نظام الحكم وتكدير الأمن العام، إلى زنزانة فى السجن تجمعه مع نجم، ومنهما إلى مؤتمر جماهيرى حاشد، يندد بزيارة نيكسون بتاع الوتر جيت للقاهرة، ويحث مصر لشد الحال، ويسخر ممن ينهبون خيراتها ومن يشيدون القصور بدلًا من بناء المصانع والمزارع، وغيرها من أغانى لاتزال مصدرًا للفرح والبهجة والأمل لمن يسمعها، ولإلهام الفرق الغنائية الصغيرة التى تعمل خارج المؤسسات الرسمية، بعد أن غضت تلك المؤسسات الطرف لكثير من الدعوات التى انطلقت منذ وفاة إمام وحتى اليوم، تطالب بجمع تراثه الفنى الكبير المفعم بالكلمات والألحان، وحتى بتلاوته الخلابة للقرآن الكريم، ومناجاته الدينية البديعة، وإدراجه ضمن مهرجانات الموسيقى العربية السنوى، والمهرجان السنوى لمحكى القلعة، فضلًا عن أرشفته وحفظه، والسعى نحو تدريب أجيال جديدة على عزف ألحانه وأداء أغانيه بالفصحى وبالعامية، كجزء من تراث ثرى وخلاق لتاريخ الفن والغناء والطرب فى مصر. وسيظل هذا التراث الفنى الفريد حيا فى أفئدة وعقول كل من ينشدون الحرية والعدل، ومحطا لأنظار من يسعون لتذوق الإبداع الفنى الحقيقى الذى يستجيب لطموحاتهم ويعبر عن أشواقهم وأوجاعهم.

لكل هذا ولغيره، أتوجه برجاء لوزيرة الثقافة الفنانة الدكتورة إيناس عبدالدايم، أن تأخذ هذه الدعوة بعين الاعتبار انقاذا لهذا التراث الذى يشكل جزءًا من ذاكرة المصريين، وحتى لا يظل فنان كبير مثله مظلومًا حيًا وميتًا.