رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

على فكرة

موقف حكيم للدبلوماسية المصرية

وسط طبول الحرب التى يقرعها الرئيس الأمريكى، وحليفه الإسرائيلى الإرهابى نيتنياهو، جاء الموقف المصرى من الانسحاب الأمريكى من الاتفاق النووى مع إيران، والذى سبقه وأعقبه- الانسحاب- هجوم إسرائيلى على سوريا بزعم تدمير البنية التحتية الإيرانية بها، ليعكس مدى وحجم التوازن الذى تدير به الدبلوماسية المصرية علاقاتها الخارجية، وقدرتها على تخطى الفخاخ المنصوبة فى أكثر الأوقات التباساً وصعوبة وتضارباً فى المصالح. وبعيداً عن لطم الخدود وشق الجيوب، والجلوس على المقاهى، أو امتطاء الفيسبوك للسخرية وتبادل الآراء السطحية المتشنجة، للهجوم والتحريض والتخريف، بشأن سطر من البيان تؤكد فيه مصر أنها تتابع باهتمام كبير القرار الأمريكى، لاعتبارهم المتابعة هروباً من تحديد موقف، بعد أن أغفلوا بقية ما ورد بالبيان، على طريقة لا تقربوا الصلاة، فقد جاء الموقف المصرى متسقاً مع المصالح المصرية، وفى ظنى أيضاً مع المصالح العربية، برغم الانقسام الذى أحدثه قرار الانسحاب بين الحلفاء العرب فى المنطقة.

تأسس الموقف المصرى من قرار ترامب على رفض أن يترتب عليه  أية صراعات مسلحة، لأن اشعال حرب جديدة من شأنه أن يهدد أمن واستقرار المنطقة، بما فيها مصر بطبيعة الحال، فى لحظة حرجة تخوض فيها حرباً شاملة ضد الإرهاب، وتسعى فى الوقت نفسه لحل مشاكلها الاقتصادية. ومعنى هذا الكلام أن الموقف المصرى يرفض بوضوح تحويل قرار الانسحاب، من الاكتفاء بإعادة فرض العقوبات على إيران، إلى توجيه ضربة عسكرية ضدها بتحريض من إسرائيل، التى باتت تطالب أيضاً بالعمل على إسقاط النظام الإيرانى. وفى الوقت نفسه طالب الموقف المصرى إيران وغيرها من القوى الإقليمية، بالكف عن انتهاج سياسات تؤدى إلى التدخل فى شئون دول المنطقة، ودعاها إلى الوفاء بالتزامتها بمعاهدة عدم الانتشار النووى بما يضمن عدم حيازتها عليه، لكى تجدد الدبلوماسية المصرية فى نفس السياق اقتراحها الذى أطلقته منذ عقود فى الأمم المتحدة، بإخلاء منطقة الشرق الأوسط من السلاح النووى، ومن أسلحة الدمار الشامل، وهو اقتراح يستهدف إيران وإسرائيل معا.

ولو أن الدول العربية الحليفة، تأملت بهدوء الموقف المصرى، بعيداً عن مشاعر الغضب، والرغبة فى الانتقام من إيران، لأدركت أن تصعيد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، ولحسابات إسرائيلية لا لبس فيها، هو خطر على أمن الخليج. فإذا كان ترامب بقراره يفى بوعده لناخبيه، ويستجيب لقرار إسرائيلى يعمل على إخراج إيران نهائياً من سوريا وتنصيب إسرائيل كقوة نووية وحيدة فى المنطقة، بعد أن دمرت المفاعل النووى العراقى، وقضت على احتمال تواجده فى سوريا وليبيا، فهو من جانب آخر يستهدف التصدى للنفوذ الروسى، العائد بقوة إلى المنطقة، لتنفرد واشنطن وتل أبيب بالقرار فيها.

لكن أخطر ما أسفر عنه قرار ترامب، هو زيادة قبضة المتشددين على القرار داخل إيران، ولم يتوقف الأمر على قيام برلمانيين بحرق العلم الأمريكى داخل البرلمان الإيرانى، بل حرقوا معه الاتفاق النووى، وطالبوا بمعاقبة رئيس الجمهورية حسن روحانى لموافقته على التوقيع عليه. ومعنى ذلك أن الصراع المذهبى سوف يزداد اشتعالاً فى المنطقة، بعد أن تمكن من تدمير العراق واليمن، وتقسيم سوريا، وشل قدرة لبنان.

ولو أن للعقل دوراً فى هذه المعارك المجنونة، لاستغلت إيران تمسك دول الاتحاد الأوروبى بالاتفاق، برغم تهديد ترامب بفرض عقوبات عليها بسب ذلك، ووافقت على الاقتراح الفرنسى بإعادة النظر فى بعض بنوده. ولو أن الأمر كذلك، لتمسكت دول الخليج بالاقتراح المصرى الداعى لمشاركة الأطراف العربية المعنية فى أى حوار حول مستقبل المنطقة، وبخاصة باحتمالات تعديل الاتفاق النووى مع إيران.

لكن «لو» هنا تظل مرهونة بالاحتكام إلى العقل، لذلك يصفها نجيب محفوظ بأنها حرف لوعة!