أين المجلس الأعلى للإعلام ؟

 

 

تفاءل الجميع سواء الجمهور أو الإعلاميون أو النقاد أو المختصون في مجالات السياسة والاقتصاد بصدور قرار تشكيل مجالس الإعلام المرئي والمقروء والإليكتروني وذلك لضبط العملية الإعلامية بكافة صورها وتنوعها، حيث تأثيرها الكبير على الرأي العام والسلوك والثقافة ونمط الاستهلاك أو الحياة واللغة وكان للمجلس الأعلى للإعلام مهمة شاقة وعظيمة، خاصة أنه يتكون من خبراء وأكاديميين وكبار الإعلاميين في المجالات الإعلامية المتعددة وكان من المتوقع أن يصدر عن هذا المجلس عدة قرارات ملزمة تعرض على مجلس النواب في صورة مشروع قانون ينظم الإعلام ويتم إقراره من قبل مجلس النواب ويصدر به قانون ولائحة تنفيذية تتضمن ميثاقاً للشرف الإعلامي وتكويناً قانونياً لنقابة الإعلاميين ودورها وشروط الالتحاق بها.

ومرت أكثر من سنة ولم نجد المجلس الأعلى للإعلام يصدر قرارات إلا فيما يخص السياسة بعد ما ظهر مانشيت إحدى الصحف المستقلة بصورة تسىء إلى مصر وإلى العملية الانتخابية كما قرر المجلس الأعلى وتمت إقالة المسئول وتنبيه الجريدة التي اعتذرت بدورها عما بدر منها وتغير رئيس التحرير، مع العلم أن الصحف المقروءة لم تعد تحقق أي نسبة مبيعات لأن الشباب يعتمد على استقاء المعلومة السريعة من المواقع الإلكترونية والصحف التي لديها موقع إليكتروني.

أما الإعلام المرئي أي التليفزيون والفضائيات فهي أيضاً تحصل على ما تريد من معلومات وأخبار عبر الفضاء الإليكتروني، حتى وكالات الأنباء لم يعد دورها كالسابق في التأثير على الرأي العام، لأنها فقدت المصداقية وأثبتت الأيام والليالي القاسية أنها موجهة سياسياً ومنحازة لفريق دون آخر وإذا استمر دور المجلس الأعلى للإعلام في مناقشة القضايا السياسية أو الدينية باعتبارهما هما محور الاهتمام ومحور العملية الإعلامية فإن المجلس سيفقد الكثير من دوره ومن تواجده الفعلي وسوف نعاني مرة أخرى من هذا الإعلام الموجه المسيس وليس الإعلام المنضبط في حيادية وطنية ... أيضاً، إن الإعلانات والبرامج الترفيهية تشكل محوراً صاروخياً في المنظومة الإعلامية وتشكيل الوجدان والسلوك واللغة والفكر للعديد من الفئات التي تشاهد وتتابع دون وعي كاف وثقافة ونسبة عالية من الأمية الفعلية والثقافية، ولذا فإنه توجد عدة قضايا ونقاط على المجلس البدء فوراً  في التصدي العلمي والعملي لها، منها:

     •    كم الإعلانات التي تتم إذاعتها وبثها ومعظمها يقدم صورا سلبية وأفكارا صحفية تدمر المجتمع وتتسلل إلى السلوك وإلى المعجم اللغوي للجمهور خاصة الأطفال والمراهقين مثل السخرية من الأهل ومن الأكل ومن المدير في العمل.. أيضاً الابتذال في الحركات وفي الكلمات وفي الموسيقى لجذب العدد الأكبر من المشاهدين وهو في الواقع يخلق حالة من النفور والاستفزاز خاصة إعلانات شركات المحمول والزيوت والعقارات.

     •    مع قرب قدوم شهر رمضان تبدأ رحلة الشحاذة ومد الأيدي بصورة فجة ومهينة للمجتمع المصري وأيضاً صورة سلبية.. فما يتم إنفاقه على الإعلانات لا يدخل في إطار الزكاة أو الصدقة، ومع هذا فإن تلك الأموال التي يتبرع بها المصريون تدخل في ميزانية تلك الحملات الإعلانية التي تطلب الأموال باسم المرض.. أو العوز أو الفقر أو الإعاقة وتنفقها على الحملات الإعلانية المستفزة والتي تتجاوز الملايين من الجنيهات.. فهل لا توجد جهة رقابية إعلامية ودينية تقنن ما يجري بما يرضي الله والمجتمع ويحفظ الأمن والسلم المجتمعي؟!

     •    الدراما التليفزيونية والتي وجدت لها سوقاً موازياً للعرض غير رمضان فبدأت العديد من القنوات الخاصة في الدخول سريعاً في الإنتاج والعرض دون الموسم الرمضاني ولكن دخلت معها شركات الإعلانات فدمرت مفهوم ومعنى ومغزى الدراما وتحول العمل الفني إلى مشاهد متقطعة لا تتجاوز أربع إلى خمس دقائق تفصلها فقرات إعلانية تمتد إلى خمس عشرة دقيقة.. ألا يوجد قانون ولائحة تحمي الدراما وتحمي المشاهد وتؤكد أهمية الفصل بين الإعلام وبين الإعلان .. بين الفن وبين التجارة !!!.. وهناك نقاط أخرى ..

المجلس الأعلى للإعلام قيمة وعليه دور يجب أن يبدأ في تفعيله من أجل العملية الإعلامية ومن أجل الجمهور وليس فقط من أجل السياسة.