رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أحوالنا

تجارة رائجة

حسن حامد Wednesday, 04 April 2018 18:41

في أوائل التسعينيات من القرن الماضي ومع بزوغ العصر الرقمي، أبدي كثير من المفكرين مخاوفهم من ضياع خصوصية الانسان في هذا العصر الجديد الذي تتفتح فيه شهية جمع البيانات وتصنيفها وفهرستها وتحويلها الي معلومات يسهل تخزينها في اجهزة الكمبيوتر التي أخذت تتطور لتواكب العصر الجديد. وقد ساهمت وسائط الاعلام الاجتماعية وفِي مقدمتها الفيسبوك وتويتر في جذب اعداد كبيرة من البشر في تقديم بياناتهم الخاصة بصورة طوعية وإتاحتها علي هذه الوسائط.

وقد تفجرت مؤخرا فضيحة كبري بطلتها احدي شركات تحليل البيانات وتدعي « كمبريدج اناليتيكا « التي قامت بالسطو علي بيانات حوالي خمسين مليون شخص من اصحاب الحسابات في موقع فيسبوك، واستخدامها في انتخابات الرئاسة الامريكية التي جرت في نهاية عام ٢٠١٦ لصالح  المرشح الجمهوري دونالد ترامب مما اسهم في فوزه علي منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون. وقد أدت هذه الفضيحة الي زلزلة أركان شركة فيسبوك وخسارتها ستين مليار دولار خلال يومين من انكشاف الفضيحة. وقد تنبه اصحاب الحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي الي انهم يوقعون بالموافقة علي مايطلب منهم في هذه المواقع دون ان يتحروا الدقة في معرفة محتوي مايطلب منهم التوقيع عليه. وقد استغلت هذه المواقع حسن النية لدي جمهور المتعاملين، وتصرفت بما يحلو لها في كنوز المعلومات التي تقع تحت أياديها. ولَم تكن واقعة استخدام شركة « كمبريدج اناليتيكا « لما لديها من بيانات في انتخابات الرئاسة الامريكية واقعة وحيدة، ولكنها سبق وان استخدمتها في الانتخابات في نيجيريا وفِي كينيا. ويتلخص عمل  هذه الشركة في انها تقوم بتحليل اتجاهات وميول شخصيات الأفراد السيكولوجية علي النحو الذي يمكن معه صياغة الحملات المناسبة لتوجيههم نحو اختيار مرشح بذاته.

وبطبيعة الحال فان الامر لايقتصر علي استغلال هذه البيانات في الحملات الانتخابية، فقد سبقتها في ذلك السبيل عمليات التسويق التجارية والتي لم ينج منها اَي مجتمع في سائر أنحاء العالم. ويمكن لأي منا ان يسترجع مواقف شخصية كان فيها ضحية لاستغلال بياناته الشخصية من جانب أطراف تجارية. فكم مرة تلقيت اتصالا تليفونيا من شخص يخاطبك بالاسم ويحادثك بصورة ودودة وكأنه صديق قديم ويتضح لك بعدها انه مندوب مبيعات يعمل علي إقناعك بشراء عقار او بالتبرع لمشروع خيري. ولكن كيف عرفك هذا الشخص وتوصل الي محادثتك؟ انها ببساطة قواعد البيانات التي يجري الاتجار بها والتي تنتقل من يد الي يد في تجارة رائجة سلعتها الاساسية نحن البشر ومعلوماتنا العامة والخاصة علي حد سواء. وكنت شخصيا احد ضحايا تسرب المعلومات الي مندوبي المبيعات، وفِي كل مرة كنت أخدع تماما في اسلوبهم المراوغ عند تقديم أنفسهم، ولكن مع تراكم الخبرات أصبحت قادرًا علي كشفهم من اول جملة. ولكن الويل كل الويل لو انهم توصلوا الي معلومة تفيد بأنك بحاجة الي سلعة  او خدمة معينة، وهذا ماحدث لي عندما استغنيت عن خدمة الإنترنيت التي كانت تقدمها لي احدي الشركات نظرا لانها ساءت مؤخرا بشكل كبير. وسرعان ماتسربت المعلومة الي الشركات المنافسة، وأصبحت هدفا لاتصالاتها ليل نهار. وعبثا تحاول افهامهم انك في غني عن خدماتهم او انك تعاقدت بالفعل مع شركة اخري وأنك لست بحاجة اليهم، وسبحان المنجي من هذه الأقوام. انهم فعلا مدربون علي اقتحام البشر، وعلي احتمال الصعاب خاصة اذا كانوا قد دفعوا مبالغ طائلة في الحصول علي بياناتك.