أوراق مسافرة

هذه الأيادى السوداء «3»

بابتسامة بدت طيبة زينتها علامة الورع التى تتوسط جبهته، اعتذر قائلاً: لا توجد تذاكر من أسوان مباشرة للقاهرة، أسقط فى يدنا، الوقت محدود وعلينا الحجز مباشرة للعودة إلى القاهرة بعد انقضاء المهمة بأسوان، وبعد دقائق من الصمت وتبادل النظرات وتأكيده على عدم وجود أى مقاعد شاغرة، عاود نفس الابتسامة التى لم نعد نصدق بشراها، وقال وكأنه جاء بحل سحرى، سأحجز لكم التذكرة على مرحلتين، واحدة من أسوان لإدفو، ومن إدفو للقاهرة، تبادلنا للمرة الثانية النظرات، وما الفارق، طالما يوجد معقد خال من أسوان لإدفو ومن إدفو للقاهرة، إذاً يوجد مقعد خال من أسوان للقاهرة، فما داعى تجزئة التذكرة؟، ولأننا كنا نتلقف أى حل للمشكلة، لم نجادله بما دار فى أذهاننا، وخشينا أن يسحب الحل السحرى لنواجه الجدار، وبالفعل حجزنا درجة أولى قطار الساعة العاشرة مساء من القاهرة لأسوان، ومن أسوان حجزنا قطار العودة بالمقاعد المجزأة أسوان - إدفو - القاهرة، وزال اندهاشنا عندما علما أن التذكرة المجزأة لقسمين أغلى من التذكرة المباشرة «أسوان - القاهرة» وأدركنا اللعبة، لعل بائع التذاكر بمحطة رمسيس له نسبة على بيع التذاكر، سيستفيد أكثر بتجزئة التذاكر لأكثر من تذكرة، ما علينا ليس مهماً، المهم أننا حصلنا على التذاكر.

القطار درجة أولى مكيفة، وسعر التذكرة 132 جنيهاً، والتذكرة المجزأة تزيد قرابة عشرين جنيهاً، وواصلنا رحلة «القرف والعذاب» قطار العاشرة رقم «996» تحرك فى الحادية عشرة تقريباً، واستغرق الطريق 16 ساعة، ولا أعرف لماذا، أما حالة القطار من الداخل، فهى درجة ثالثة.. خامسة أو قل كما تريد، القذارة تملأ الجدران والأرضية، المقاعد ممزقة، الأزرار تالفة، لا يمكن تحريك المقاعد للأمام ولا الخلف، منضدة الطعام الملحقة بكل مقعد مدمرة، دورات المياه «والعياذ بالله» كلمة قذرة عليها تحمل كثيراً من اللطف مقارنة بحالة مقعد التواليت والشباك المكسور الشيش والكاشف لما بداخله لمن على الطريق والرصيف، الرائحة تبعث على الاختناق والموت لو بقيت به دقائق ولا أقول الإغماء، لا يوجد به مياه، الصنبور و«الشطاف» تالف، ذباب وبقايا مخلفات ادمية بالأرضية، أنه غير آدمى ولا حتى حيوانى.

أما عربة القطار رقم 3 بالدرجة الأولى، فقد اكتشف المشرف على القطار فجأة أن التكييف معطل بها، وحاول جاهداً أمام شعور الركاب بالاختناق تشغيل التكييف، وأخيراً نجح وليته ما فعل، فقد شعرنا بارتجاج المقاعد، وصوت كالـ«جرار» عال يصم الآذان، وحين سألناه، قال معتذرا بابتسامة تشبه ابتسامة بائع التذاكر «أصل الكباس عطلان وكويس أنه شغال شوية» وسألناه: ألم تعلموا بالعطل قبل تحرك القطار، ألا توجد صيانة، هز رأسه: والله أنا مش مسئول ممكن أناديلكم المسئول «إلا أنه ذهب ولم يعد ولم نعد نرى وجهه ولا وجه أى مسئول باستثناء مفتش التذاكر».

باعة الفول السودانى واللب وكل الأشياء الصغيرة التافهة وباعة الأدعية وطالبو الحسنة من المتسولين يملأون القطار ولا ينقطعون عنك طوال الطريق، يلقون على ساقيك أشياءهم ثم يعودون لجمعها أو جمع ما تجود به يدك، وكنت أهز رأسى بين وقت وآخر وأحدق: هل نحن فعلاً فى درجة أولى مكيفة؟.. هل ركب وزير النقل هذا القطار أو غيره أو حتى زاره أى مسئول بالسكة الحديد التى نصرخ من خسائرها الفادحة سنوياً بسبب الأيادى السوداء التى دمرتها بالإهمال واللامسئولية.. وللحديث بقية.

[email protected]