رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مذبحة الروضة..

من التقديس إلي التدنيس (1)

 

 

حادثان مأساويان مرا على الأمة العربية والإسلامية، بمرارة، في غضون شهر مضى، يكاد لم يُعرف لتعاقبهما من الوهلة الأولى سببٌ معقول أو مقبول، ناهيك عما جرى خلالهما في المنطقة من أحداث دمويّة منها مثلاً: قتل الرئيس اليمني السابق (علي عبدالله صالح) من جانب حركة «الحوثيين» بتلك الوحشية البغيضة، غير أني لا أتحدّث هنا في هذه العُجالة عن حادثة القتل مع وحشيتها البغيضة، ولكني فقط أتحدّث عن مأساوية ما جرى في مذبحة الروضة، وقتل ما يربو على (350) مُصليا في مسجد «الروضة» أثناء تأدية صلاة الجمعة.

هذا هو الحادث المأساوي الأول، ويليه مباشرة إعلان «القدس» عاصمة إسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية للقدس، ومنع الصلاة في الأقصى تمهيداً لبناء الهيكل على أنقاض المسجد في مستقبل الأيام.

أيّة علاقة خَفيَّة أو ظاهرة تربط وقوع الحادثين تباعاً؟.. الفترة الواقعة بين قتل المصلين في مسجد «الروضة» وصدور القرار الأمريكي بنقل السفارة إلى القدس لا تتجاوز الأسابيع، أيكون هذا كله صدفة عارضة أو هو ترتيب مخطط مقصود؟!.. أهى العلاقة الحميمة بين الديني والسياسي على مدار التاريخ الطويل؟ أم هو الصراع الأزلي بينهما مهما حاول المحاولون فصل بعضهما عن الآخر في سياق مختلف؟!

تعليل الحوادث مهمٌ جداً في تفسير التاريخ.. والأحداث لا تمر هكذا عرضاً على سطح الواقع العكر دون أسباب معقولة أو مقبولة، فلا توجد أسباب بدون مسبباتها، والعلاقة في الغالب ضرورية بين الأسباب والمسببات. وليس في التاريخ صدف، ولا يوجد حدث بلا علّة مقصودة، والأخذ بتفسير الأحداث، ومحاولة ردّها إلى عللها الأولى هو في حد ذاته معرفة فلسفية أصيلة، فلا نتائج بغير أسباب، حتى إذا ما افترضنا أن هذين الحدثين المأساويين هما نتاج تخلفنا الممتد لفترات طويلة، وسقوطنا في مستنقع آسن من الفُرْقة والتمزق وتغليب المصالح الشخصية على مصالح الأوطان العامة، فلا أقَلّ من تعليل الأسباب الخفيّة الكامنة وراء هذا الذي حَدَثَ.

لقد كانت مقولة «التعليل» من أبرز مقولات «ابن خلدون» في فلسفة التاريخ، فهذا العالم الذي نشاهده بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من التركيب والإحكام، وربط الأسباب بالمسببات، واتصال الأكوان بالأكوان، واستحالة بعض الموجودات إلى بعض، يدلُّ كل الدلالة على أن باطن التاريخ، بمعنى باطن الحدَث، يكمن فيه النظر والتحقيق.

والتعليل الذي هو للكائنات ومبادئها دقيق هو في الحقيقة تعليل باطني جُوَّاني ليس بالبرَّاني، كامنٌ خلف معطيات الأحداث التاريخية الظاهرة بمقدار ما هو كامن خلف أسطحتها البرَّانيَّة.

السطح البرّاني قشرة عائمة على الظاهر المرئي، وما تحت هذه القشرة العائمة من أغوار عميقة هو المحرك لكل ما يبدو ظاهراً على السطح المرئي.

وعليه، فالتعليل الذي يقتضي أحكاماً كلية هو أبرز مقولات ابن خلدون في تفسير الأحداث التاريخية، فلنعتمد بداية هذه النظرة الخلدونيّة في تفسير ما جرى خلال هذين الحادثين المأساويين. وغاية ما نلقاه من قشرة عائمة على السطح تحليلاً للحدث هو مثل هذه التّصورات:

من ذا الذي شهد بالأمس القريب مذبحة الروضة ولم يخفق قلبه ألماً أو تدمع عيناه حزناً لتلك الفعلة البشعة؟ من ذا الذي رأى المصلين يجزرون، كما تجزر الأضاحي، مع فارق التخريج في الدلالة، في بيت من بيوت الله، ولم تأخذه الدهشة عجباً وأي عجب؟! أي عجب من ترديد آية البسملة من القاتل قبل أن يَقْدِم على فريسته، وكأنما يقاتل, واهماً, كفاراً بالله، وفريسته رجل موحِّد مثله يدين بما يدين به ويوالي إلها واحدا يعتقده الموحّدون.

أي عجب أكثر من اعتقاد القاتل أن هذا الفعل المُنكر هو النصر المؤزر من عند الله.. أي عجب يذهل معه المرء فزعاً حين يرى قتل ضيوف الرحمن في أكرم يوم على الله، يوم الجمعة، هو النصر الذي يأتي من عند الله؟! أي دين هذا الذي يعتقدون؟!