رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

اليوم الأخير 4 البطل والأبالسة

أحيط السادات بسياج أمنى رهيب تشكل من مجموعة سلاسل بشرية أنيطت بمهام محددة، تـَكوَّن محيطها الأول من حراس مدربين بعناية فى الولايات المتحدة الأمريكية كانت تقف فى انتظام صارم على امتداد مساحة لا يقل نصف قطرها عن 15 متراً وفى تشكيل يصعب اختراقه، أما المحيط الثانى والمسؤول عن حماية السادات من الخارج فقد تألف من مجموعة من القوات الخاصة «الكوماندوز» التابعة للحرس الجمهورى، وفى المحيط الثالث كانت قوات الأمن المركزى الموكـَل إليها حماية موكب الرئيس وتأمين الطرقات والأسطح ثم قوات الشرطة المدنية والشرطة العسكرية لإحكام عملية التأمين والحماية، بالإضافة إلى 6 لوريهات عملاقة كانت محملة بأفراد من الأمن المركزى موجودة خلف جامع جمال عبدالناصر بالقرب من وزارة الدفاع، كما اصطف جنود الشرطة بطول طريق صلاح سالم وكذلك الطرق المؤدية إلى مكان العرض العسكرى، والتى كان يتخللها نقاط تفتيش مختلفة للتأكد من حمل كل زائر لبطاقة دعوة تعطيه الحق فى حضور العرض والتأكد أيضاً من أن السيارات الخاصة قد لصق على زجاجها الأمامى التصريح الأحمر الذى استخرجته إدارة المراسيم بوزارة الدفاع.

 إلى هذا الحد كانت تبدو إجراءات الأمن فى صرامتها الشكلية، حتى أن ضابط عقيد فى سلاح الإشارة ومجموعة صغيرة من المهندسين الضباط، مُـنِعوا من الدخول إلى المنصة؛ بسبب عدم استكمالهم الإجراءات المطلوبة التى تمكنهم من الحضور.

كانت حالة السادات المعنوية مرتفعةً للغاية، وكثيراً ما كان يدخن «غليونه» ويتبادل التعليقات مع نائبه ووزير دفاعه، وكثيراً ما كان يُلـَوِّح للمارين أمامه أو يرفع لهم الكاب أو يصفق لتحيتهم، بدا الرجل مستمعاً بكل ما يدور حوله وبكل لحظة يعيشها، وكأنه يريد أن يرشف من الدنيا آخر مباهجها.

بدأ العرض العسكرى بداية تقليدية، بطوابير من جنود وضباط الأسلحة المختلفة وطلبة الكليات العسكرية ممن كانوا يحملون الأعلام ويطلقون البالونات والألعاب النارية فى السماء، ثم جاء دور طائرات «الفانتوم» التى ظهرت بضجيجها الرهيب، حيث راحت بتشكيلاتها تقدم بعد الألعاب البهلوانية المبهرة وتنفث سحاباً كثيفاً من الدخان الملون إلى حد جذب إليها كل الأنظار تقريباً، كان السادات منبهراً مثل غيره ببراعة الطيارين وقدرتهم الكبيرة على التحكم فى طائراتهم وبقيت عينه - من فرط إعجابه بما يرى - معلقة بالسماء لفترة من الزمن وكأنها لا تريد أن ترى يد قاتليه وهى تـُحَوِّل يوم عيده إلى يوم مأتمه.

فى تلك الأثناء وفى مصادفة غير مفهومة جاءت عروض طوابير المدفعية لتمر أمام الرئيس ومن حولها مجموعة من الموتوسيكلات، وفجأة ينزل من إحدى العربات التى كانت تجر مدفعاً، أربعة أشخاص - تصور الحضور أنهم قادمون لتحية السادات ومن معه من أكبر رموز النظام-؛ لذلك يهم الرئيس لتحية القادمين، وإذا بوابل من الرصاص فى استقباله، نجحت إحداها فى إصابة ترقوته، ليسقط الأسد الجريح على الأرض وتبدأ حلقات أسوأ مسلسلات الخيانة فى القرن العشرين.

من المؤكد أن السادات قد أصيب بالذهول لما جرى، ومن المؤكد كذلك أنه لن يسمح أن تضيع حياته هدراً هكذا، فكان من البديهى أن يبحث لنفسه عن طوق للنجاة، لكن من ينقذه؟، من رقبته كانت تخرج نافورة من الدماء، وحوله هرج ومرج وصراخ ورائحة دم وطلقات رصاص لم يتوقف دويها، لا يكاد أحد يعرف من يطلق الرصاص على من؟ ومن يُقتـَل بذلك الرصاص؟ يستجمع السادات قواه ويحاول أن ينهض من الأرض لكن أحد المقربين منه يلقى فوقه كرسياً يحول بينه وبين إنقاذ حياته، يعاود المحاولة مرة تلو المرة لكن بلا جدوى، رئيس مصر مُلقى على الأرض وشياطين الفتن غير معنية إلا بإزهاق روح هذا الرجل، تـُرى، من ألقى الكرسى على السادات؟ من له المصلحة فى اغتياله؟.

لا يكاد يجزم أحد بمعرفة قاتل الرجل، إلا أن الغالبية ألصقوها بمبارك ووزير الدفاع محمد عبدالحليم أبوغزالة، ووزير الداخلية نبوى إسماعيل الذى قيل إنه كان بحوزته فيلم تفصيلي لعملية اغتيال السادات قبل تنفيذها بأيام، فلماذا لم يتحرك إذن من أجل إنقاذ حياة الرجل؟.

وللحديث بقية فى الأسبوع المقبل.