رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوراق مسافرة

من غير زعل.. إحنا موتى «3»

كانت تقريباً بلا معالم.. خربة فلا بيت كائن فى مكانه، ولا شوارع ولا ميادين، أغلب الأسر مكلومة بعد مقتل أكثر من 20 مليونًا فى تلك الحرب التى أتت على الأخضر واليابس، 12 مليون ألمانى شريداً، و8 ملايين أسير فى معتقلات قوات الحلفاء، بل إن زعيمهم «الفوهرر» أدولف هتلر أمر فى آخر أيامه فيما يعرف بـ «أمر نيرو» بتدمير جميع المنشآت الاقتصادية حتى لا يستفيد منها الأعداء، ولأن الشعب الألمانى خسر معركة الحياة من وجهة نظره فاستحق الفقر والموت لأنه لم يحقق أحلامه المجنونة فى جعل أوروبا «منطقة خاصة بشعبه الآرى المتميز»، مع أفضل فرص من العمل والرخاء والصناعة والتقدم، فإذا بألمانيا مهزومة، خربة، منهارة اقتصادياً مفككة ومكلومة اجتماعياً، وقد فككت فرنسا الآليات والمعدات الألمانية ونقلتها لأراضيها، كما أخذت فحمها لتدفئ به الفرنسيين وتركت ألمانيا فى صقيع كارثى قاتل، ودمر الحلفاء كل الطرق بقنابلهم، فهل يمكن أن تقوم لدولة قائمة بعد كل ذلك؟.. الإجابة نعم من خلال مثلث أضلاعه ليست سحراً.. أضلاعه تعمر أى «خرابة» فى العالم وهى.. الانتماء.. العمل.. الضمير.

نعم قامت لألمانيا «الخرابة» قائمة.. لأن شعبها أدرك أن الكل تخلى عنه، وأنه وحده المطالب بإعادة بناء بلده، وإعادة فرض هذا البلد مجدداً بين دول كبرى قوية غنية، فكانت الانطلاقة التى شارك فيها كل فئات الشعب، رجال.. نساء.. أطفال، النسوة ترفع الأنقاض وتشارك فى إعادة ما دمرته الحرب مع الرجال، النساء تزرع الأراضى المحيطة ببوابة براندنبورج بالعاصمة برلين وبباقى المدن، للحصول على الخضراوات فى ظل غياب الرجال، إما أسراً أو موتاً، الأطفال يتولون مهمة الوقوف أمام مناجم الفحم، للدفاع عنها ضد سيارات الدول الأوروبية التى حاولت استلاب الفحم، ولأن العملة الألمانية فقدت قيمتها نظراً لطباعة 300 مليار مارك «الرايخ» دون وجود ما يوازى هذه القيمة أصبحت السجائر الأمريكية أعلى قيمة من المارك وباتت السجائر عملة أغلب الألمانيين لمقايضتها باحتياجاتهم من السلع، النساء يبادلن معاطفهن من الفراء بالخبز والسكر، ويأخذن دقيقاً مقابل أحذيتهن، يضاف إلى ذلك مليارات التعويضات التى طالب بها اليهود والدول الأوروبية مقابل من قتلتهم ألمانيا فى الحرب وضيعت ممتلكاتهم.

كل هذا لم يجعل الشعب الألمانى يقف طويلاً ليلعق جراحه أو يبكى مأساته، بل قفز فوق كل هذا وانطلق فى كل مجال من منطلق حبه للحياة، انتمائه لبلده، يعمل بكل ضمير، ولو قارنا ما فعله الألمان حتى صارت دولة تأسيسية للسوق الأوروبية عام 51 مع أعدائها القدامى فرنسا، إيطاليا، بلجيكا، هولندا ولكسمبورج لتكوين وحدة اقتصادية متكاملة لتأكدنا أنه شعب يستحق الحياة، فهذه السوق كانت نواة لانضمام باقى دول أوروبا والتى تطورت لاحقاً إلى الاتحاد الأوروبى، ألمانيا استعادت عافيتها بعد ثمانية أعوام فقط من الهزيمة والانهيار والدمار، وهكذا تكون حياة الشعب طامحاً إلى الحياة والعمار والتقدم، وبالمقارنة.. سنتأكد أننا كشعب.. موتى.. موتى بكل المعايير، موتى لأننا «إلا من رحم ربى» لا يحب هذا البلد ونلعن الظلم والظلام فى كل ثانية دون أن نبادر بإشعال أى شمعة، لأننا لا نحب العمل وننام نحلم بالتقدم والثراء، لأننا بلا ضمير، ونصرخ ونسب فى الآخرين عندما يتعاملون معنا بلا ضمير، لقد كتب جيفرى ديفندورف البروفيسور الألمانى الدارس فى أمريكا عدة كتب عن إعادة إعمار ألمانيا، أطالب كل مسئول بل كل المصريين بقراءتها فمعظمها مترجم بالعربية، لنعرف بأننا موتى بين شعوب أرادت الحياة.. وللحديث بقية.

 

 

[email protected]