رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

خواطر حول حديث المؤامرة

فى تقديرى، وأرجو أن أكون مخطئًا، أن من أبرز سلبيات الخطاب السياسى فى مصر بعد 30 يونيو بروز ما يمكن وصفه بـ «متوالية» حديث المؤامرة. إذا انتابك أى شك بشأن هذا الرأى راجع المقولات المختلفة بشأن هذا الحديث فى البدايات وما انتهى الأمر إليه، ستجد أن الموقف تحول من مجرد خاطرة أو تصريح على مستوى القيادة السياسية إلى ما يشبه العقيدة الوطنية، حيث أصبح الحديث عن المؤامرة إحدي المفردات الأساسية ليس فى الخطاب السياسى فقط وإنما فى الخطاب الشعبى كذلك.

إذا قلت لى إن مصر مستهدفة .. لا يمكن لى سوى أن أصدق على كلامك، وإذا قلت لى إننا موضع مؤامرة فى المطلق، فإن ذلك لن يكون موضع غرابة، فالسياسة الدولية فى معظم جوانب إدارتها لا تعدو سوى أن تكون نوعًا من أنواع المؤامرة، حتى فيما بين الحلفاء.. خذ مثلا تجسس أمريكا على حليفتها الألمانية المستشارة إنجيلا ميركل. غير أن الهوس بأننا موضع مؤامرة وأن الكون كله – دوله وشعوبه وأفراده ومنظماته – لا يصحو ولا ينام ولا يشغله شاغل سوى التآمر ضد مصر.. فهذا أمر يبدو من الصعب قبوله، أو على الأقل تمريره دون مناقشة.

إن نظرة نقدية متأنية على حديث المؤامرة تقوضه وتهدم بنيانه من الأساس.. فالدول التى تكون موضع مؤامرة هى الدول بالغة القوة مثل الاتحاد السوفيتى فى مرحلة الحرب الباردة لهدمها، أو بالغة الضعف.. مثل الدولة العثمانية التى كانت فيما مضى رجلَا مريضَا.. للاستيلاء على ميراثها، ومصر ليست هذا ولا ذاك. وهى الدول التى تتزايد مستويات عداواتها على مستوى النظام الدولى عن مستوى صداقاتها.. ومشكلة مصر أن أصدقاءها أكثر بمراحل من أعدائها.. فحتى إسرائيل العدو الاستراتيجى لمصر لم تعد كذلك، حتى أنه يمكن القول بحق أن مصر، بسياساتها السلامية حتى النخاع، تعد سويسرا الشرق الأوسط. إن جانبًا من مشاكل أو مظاهر – لك أن تأخذ التوصيف الذى يناسبك – سياسة مصر الخارجية أنها تقوم على منطلق إنسانى وليس سياسيًا.. والفرق كبير بين الحالتين.. الأول واجب فى العلاقات بين الأفراد والثانى واجب فى العلاقات بين الدول.. خذ مثلا أزمة سد النهضة مع أثيوبيا والتى تعاملت خلالها مصر بمنطق الخد الأيمن والخد الأيسر.

إذن بماذا يمكن تفسير تزايد وتيرة الإحساس بالمؤامرة؟ قد تكون التفسيرات متعددة ولكنى أشير هنا إلى أن هناك مبدأ أساسيًا من مبادئ العلاقات الدولية يتمثل فى أنه فى حالة تزايد وطأة الأزمة الداخلية فى الدولة – أى دولة، فإن عليها أن تلجأ إلى إيجاد خطر خارجى ولو وصل الأمر إلى شن حرب حتى يمكنها توحيد الشعب، فهل هذا هو ما يدور فى ذهن من يردد حديث المؤامرة، مع استبدال فكرة شن الحرب، باعتبارها الخيار الأقصى، الذى لا نملك ترف أو مبررات المبادرة به، بفكرة أخرى تتمثل فى إشاعة نوع من الحرب الافتراضية بالشعور بالخطر من تآمر الخارج؟ أمر من الصعب الإجابة عنه.

ليس نوعًا من التراجع، وإنما وضع الأمور فى نصابها الإشارة إلى أن ما سبق لا يعنى بأى شكل من الأشكال غياب فكرة المؤامرة، فقد كان ميدان التحرير مليًئا بممثلى أجهزة المخابرات المختلفة خلال أحداث ثورة يناير، والقلاقل التى تبعت الثورة وما زالت متواصلة تستدعى يقظة الخارج تجاه ما يجرى فى مصر، وهى دولة من دول العيار الثقيل فى المنطقة والعالم.. كما أن مناوئة مصر لمواقف دول مثل تركيا وقطر وكذلك إيران،  فضلا عن احتدام حالة الاستقطاب الداخلى على خلفية إقصاء حكم الجماعة، بما لهذه الأخيرة من تشابكات فى العلاقات الدولية، يجعل الفكرة وارد،  غير أن ذلك كله شيء، والهوس بنظرية المؤامرة شيء آخر. إذا كان لك رأي آخر.. فكلى آذان صاغية! 

[email protected]