رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سقوط النموذج التركى

لا ينكر أحد أن جماعات الإخوان المسلمين فى السنوات القريبة الماضية، تبنت شعارات المشاركة السياسية، والانتخابات، والديمقراطية، على عكس ما كانت عليه فى العقود السابقة. ولم يكن هذا محض صدفة، ولكن متزامنًا مع ما أحدثه الأتراك من تغييرات سياسية؛ بدعم وتشجيع أمريكى ليصعد النموذج التركى الأردوغانى، وهذا ما أشار اليه كتاب صدر حديثا بعنوان «سقوط النموذج التركى: كيف أسقطت الانتفاضات العربية الليبرالية الإسلامية؟» للكاتبة التركية جيهان توجان الصادر باللغة الانجليزية مسلطاً الضوء على الليبرالية التركية خلال العقود الثلاثة الماضية الممهدة لتجسيّد الإسلام الاستبدادى.

فمن المعروف أن منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الخمس وثلاثين الماضية، ملكت قدرا من الثورات المضادة. وخاصة بعد ثورة إيران عام 1978-1979 والتى جعلت بعض الأنظمة فيها تعطى قدرا من الطابع الإسلامى والديمقراطى على أنظمتها فى ظل ضغوط من واشنطن وصندوق النقد الدولى. وتم دعم وترويج النموذج التركى على أنه النموذج المثالى، الرابط بين الغرب والشرق الأوسط. وتغاضى الغرب عن مساوئ تعامل النظام التركى مع مسألة الأكراد وإدارتها بشكل طائفى يتنافى مع أكذوبة النموذج المثالى التى يتكلمون عنها مما أدى الى إضعاف العملية الديمقراطية فى النموذج الأردوغانى، بل وأيضاً الى التقليل من شأن ادعاءاته بأن نظامه ليس متورطاً فى الصراع السعودى - الإيرانى فى المنطقة. الى جانب أن القوى الإسلامية تتحول شيئاً فشيئاً الى قوى غير ديمقراطية من خلال ممارسات ليس لها أى علاقة بالليبرالية الجديدة و هو ما حدث مؤخرا فى تركيا.

 وفى الواقع أن تقليد النموذج التركى القائم على الليبرالية الإسلامية فشل فى مصر وتونس ونجح فى تركيا بسبب تباينات فى التنظيم الداخلى للمجتمع السياسى بين تركيا من جهة والدول المذكورة، لوجود حالة من التضافر فى الجهود بين المجتمع المدنى الإسلامى والمجتمع السياسى فى تركيا بهدف إدماج المحافظين فى الحركة الإسلامية؛ ولم ينجح هذا فى مصر لصعوبة إدماج الطبقة الوسطى وطبقة الفلاحين فى الحركة الإسلامية وهو ما منع «الإخوان المسلمين» من السيطرة على المجتمع السياسى الإسلامى. وكانت هناك ايضا صعوبة فى تعميم هذا الفكرة داخل حزب الغنوشى فى تونس، من خلال حركة النهضة، وبين كوادرها. وفى الواقع أن الليبرالية الجديدة فى تركيا حظيت بدعم القوى الإسلامية والشعبية وتميزت باتساق سياساتها. بينما فى تونس ومصر لم تحظَ الليبرالية الجديدة بمثل هذا الدعم.

 ومن الملاحظ أن البناء الاجتماعى والسياسى لبلاد الشرق الاوسط، جعل من الصعب استنساخ النموذج التركى ؛وخاصة أن الثورات التى حدثت مؤخراً جعلت هذا الأمر أكثر صعوبة؛ مع أن ثورات 2011 وضعت أمامها النموذج التركى على الخريطة الذهنية والاستراتيجية، ولكن عملياً كان من المستحيل اعتماد النموذج التركى، إذ إن الثورات استطاعت إسقاط الأنظمة القديمة ولكنها لم تقدم أى شىء جديد. والديناميات الداخلية فى الدول العربية التى حدثت فيها الثورات قللت من حظوظ استنساخ النموذج التركى. فتصرفات «الإخوان المسلمين» السلبية جعلت من الصعب تقليد النموذج التركى. وبعيدا عن الكتاب وما جاء فيه من فضح هذا النموذج؛ فإن الكثيرين ممن أعجبوا بتجربة أردوغان اكتشفوا أكاذيبه وما قيل عن نجاحه اقتصاديا فى سداد آخر قسط من ديون تركيا الخارجية وأنها أصبحت دولة بلا ديون، وذلك بفعل السياسة الأردوغانية الناجحة.

والواقع يقول إن التسديد كان لآخر قسط من الديون المستحقة على تركيا لصالح صندوق النقد الدولى، ولا يشمل هذا ديون تركيا المستحقة عليها لصالح الحكومات الأجنبية والبنوك والمؤسسات المالية وغير المالية، كما لا يشمل سندات الاقتراض التى أصدرتها تركيا فى الأسواق العالمية. وأن النمو الذى حققه الاقتصاد التركى خلال السنوات السابقة كان بفعل سياسة الخصخصة التى دفعت بحكومة أردوغان لبيع كل شيء فى تركيا؛ وأن دين تركيا الخارجى ارتفع فى عهد أردوغان من 130 مليار دولار إلى 388 مليار دولار أى ما نسبته حوالى 300%.. وهذا كله يؤكد سقوط النموذج التركى.