رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

«إدي العيش لخبازه»

 

«إدي العيش لخبازه ولو اكل نصفه».. مثل مصري شعبي يقرر حقيقة التخصص والمهنية المطلوبة عند أداء أي عمل حتي لو كان خبز العيش، وأن المتخصص في المهنة له الحق في مكافأة أو مقابل يعادل نصف قيمة العمل ذاته.. فمع أن هذا المثل هو خبرة تراث مصري قديم إلا أننا لا نتبع المثل ولا  نطبقه علي أبسط أمور الحياة والسياسة وعلم الادارة، بل ويفخر البعض بأنهم قادرون علي تنفيذ وتحقيق مهام ومشروعات واحتفالات لا تقع في دائرة اختصاصهم ولا في حيز معرفتهم وسجل خبراتهم، وهو أمر أصبح يتكرر كل يوم في الادارة والسياسة المصرية  ما قد يشكل خطراً علي التنمية والتقدم  وإدارة شئون الدولة، بداية من الجهاز الحكومي والمحليات واختيار المحافظين  ونوابهم وسكرتير عام المحافظة الذي هو لواء سابق أو عميد متقاعد، حتي  وصل الأمر الي تلك الحالة من سوء العمل والفساد وضياع هيبة الدولة لعدم قدرتها علي التجديد وعدم رغبتها في وضع خطة واستراتيجية  مستقبلية لهذا الوطن في كافة المجالات، وتحول الأمر بعد ثورتين إلي تلك الحالة من السيولة والارتخاء الاداري والبلطجة في جميع أجهزة الدولة، خاصة بعد أن صار القضاء في مهب الريح يعمل وفق مبدأ «المستثني منه» «والمستثني إليه»... فنظرية  الاستثناء وقاعدة «إلا» القضاة، ثم «إلا» وكلاء النيابة، ثم «إلا» البنوك،  ثم «إلا» البترول، ثم «إلا»... أن يكون هناك قانون عادل يطبق علي المواطنين جميعاً لأنهم كما نص الدستور سواسية أمام القانون فهذا ما ساعد علي أن صار الاستثناء هو القاعدة ما يعني غيبة المعيار  والقانون، والعدل وميزانه..

حفل قناة السويس وحفرها في هذا الزمن القياسي وذلك الإنجاز الذي  غير التاريخ والجغرافيا لم يكن حفلاً عادياً وانما حدثا عالمي ودولي يعبر عن مصر حاضرها  ومستقبلها وأيضاً تاريخها وتراثها، مؤكداً علي ارادتها ورغبتها في التغيير واللحاق بركب الحضارة والدخول إلي التنافسية.

ومع هذا فإن الحفل الذي انقسم الي جزءين صباحي ومسائي لم يكن علي قدر الانجاز والحدث ولا يصلح أن تعلن الرئاسة ومكتب السيد الرئيس  أنها الجهة المسئولة عن تنظيم الحفل، لأن ذلك بكل تأكيد يعكس أمراً  خطيراً إلا وهو أن العيش  لا يخبزه الخباز، وأن الأمر قد وسد إلي غير أهله، وأن مبدأ أهل الثقة هو شعار المرحلة وليس أهل وأصحاب الخبرة والمعرفة والتخصص.. كما أنه إذا كان الجزء الأول من الاحتفالية ومشهد الرئيس في «المحروسة» في عز الظهر والضيوف يتابعون في موجة حرارة تتعدي الأربعين، وأطفال صغار ينتظرون وصول الركب ليغنوا فرحين مهللين أمام الجمع الدولي والسيد الرئيس فإنه بالرغم مرة أخري من روعة المشهد وجلاله إلا أن التوقيت غير موفق وغير مناسب لمناخنا المصري الصيفي الحار الرطب في شهر «أبيب» طباخ العنب والزبيب..

أما حفل المساء فإن ذات وجوه الاعلاميين التي كانت تطل علينا  في احتفالات مبارك وأسلوب الاحتفال قد عادت من جديد وكأننا قد نسينا أربع سنوات من الدماء والثورة والفوضي والخوف وعدم الاستقرار... أما الاخراج الذي قام به المخرج مجدي الهواري فكان متواضعاً  جداً لأنه غير متخصص في النقل الحي المباشر لاحتفال موسيقي أوبرالي.. اختيار عمر خيرت راق وإن كان اختيار  مقطوعات متنوعة من كبار موسيقيى مصر وملحنيها في صورة استرجاع لتاريخ مصر من خلال الموسيقي والغناء وبعض من أعمال  فرقة رضا والفنون الشرعية لكان ذلك أجمل وأوقع من أوبرا عايدة في تلك الملابس،  وهذا الأداء المواضع، وأيضاً البعيد عن الروح المصرية والذائقة الشعبية بكل ما تحمله من عبق التاريخ القديم  والحديث... وبعد هذا تعلن مؤسسة الرئاسة أنها المسئولة عن الحفل حتي تصمت الأقلام أم أنها المسئولة حتي نعلم أن  الخباز عليه أن يغلق فرنه ويبحث عن عمل آخر غير خبز العيش.. ما كان من الحفل لا يعني الإقلال من قيمة الإنجاز وتلك المعجزة المصرية في حفر  35 كم في الصحراء لضخ شريان حياة جديد في وريد الأمة المصرية والتجارة العالمية بأيدي مصريين وأموال مصريين ومصريات يدفعون الغالي والرخيص فداء لهذا الوطن... أما القضية فهي أن اسلوب الادارة في كل أجهزة الدولة يجب أن يكون وفق التخصص بداية من السادة رؤساء الوزارة حتي الوزراء والمحافظين والهيئات المعاونة دون الاخلال بالجانب السياسي لتلك المجالات، فالوزير لا يكون مجرد منفذ متخصص تكنوقراطي وانما سياسي محنك له سابقة خبرة في المجال وانجازات تستوجب توليه الحقيبة الوزارية أو المصيبة المحلية... وليس أبدع من المحافظين ما حدث في محافظة الجيزة  وغياب الحنكة السياسية بعد انهيار عقارات مخالفة بينما الأهالي تعتصم وتصر علي أن تبني المحافظة مباني مخالفة، لهم في ذات الموقع والمكان ويكون جواب السادة نواب المحافظ الخوف والرعشة من المواطنين والاعلاميين بالرغم من أن الوضع كله خطأ الأهالي وغض طرف واغلاق عين الأحياء في المحافظة المنكوبة بالمحليات والمحافظين، محافظة الجيزة ورؤساء أحيائها  الذين هم سبب ما حدث وما سوف يحدث...

حفرنا القناة وعبرنا الألم وحققنا الانجاز علي الأرض وفي الصحراء... متي نبدأ في عبور خط الفساد الاداري وغياب الرؤية، ونؤمن مرة أخري بأن أهل الثقة لا يغنون عن أهل التخصص والمعرفة... كل ما يطلبه المصريون أن يأكلوا «عيش» من صنع الخباز  ولا يريدون «جاتوه» مستورداً...