رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هل تعود أمريكا لرشدها؟

تحت هذا العنوان نشر الكاتب الأمريكي الشهير جول كريج روبرتس الذي كان نائباً لوزير الخزانة في عهد الرئيس الأسبق ريجان هذا المقال على موقع إنفرميشن كليرنج هاوس في 16 مايو معلقاً على التحول المفاجئ للسياسة الأمريكية تجاه روسيا من عداء ومهاجمة الى مهادنة عندما زار وزير خارجية أمريكا جون كيري موسكو في أعقاب الاحتفال الروسي الضخم بالعيد السبعين للنصر في الحرب العالمية الثانية.

يقول روبرتس إن هناك استنتاجات كثيرة عن الزيارة السريعة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لموسكو في أعقاب الاحتفال الروسي الناجح في 9 مايو بعيد النصر، ففي 11 مايو قام كيري الذي كان يهاجم روسيا قبل ذلك بيومين فقط، قام بالسفر لموسكو وحدد له الرئيس الروسي بوتين يوم 12 مايو لمقابلته، كان كيري كما ذكرنا يهاجم روسيا يوم 9 مايو وبعد ثلاثة أيام فقط وجه نقده للنظام الأوكراني العميل الذي وضعته أمريكا في السلطة في أوكرانيا، وكما تردد عندئذ من تفسير لهذا التناقض هو أن أمريكا تعود لرشدها.

إن من شاهد الفيديو الذي عرض ليوم النصر في موسكو لمدة ساعة وعشرين دقيقة يدرك أن الاحتفالية أرسلت رسالة قوية للجميع، فروسيا قوة عسكرية من الطراز الأول، وتساندها كل من الصين والهند اللتين سارت جنودهما في العرض العسكري في موسكو.

وبينما سخر الغرب الذي بدأ يفقد أهميته من العرض العسكري الروسي، فإن النصر الذي حققه الجيش الأحمر على هتلر كانت تحتفل به أكثر ثلاث دول في العالم في تضامن واضح فيما بينها، فروسيا أضخم دولة مساحة، وكل من الصين والهند لديهما أضخم عدد مواطنين في العالم، وقد  أوضح الاحتفال في موسكو تماماً أن امريكا قد فشلت فشلاً ذريعاً في محاولتها عزل روسيا، فما فعلته أمريكا في الواقع كان تدعيم الروابط بين دول البركس «البرازيل، روسيا، الصين، الهند، وجنوب أفريقيا».

كان رئيس الصين يجلس في الاستعراض على يمين الرئيس بوتن، وقد أوضحت الاحتفالية تماماً أن امريكا أوباما لم تعد القوة الوحيدة في العالم.

وعندما نراعي واقع ذلك على الدول الأوروبية التابعة لأمريكا والمكونة لقلب الامبراطورية الأمريكية، نرى أن الأوروبيين يعلمون أن دولتين من أقوى الدول العسكرية في العالم لم تستطيعا تحمل نتائج غزوهما لروسيا، فقد فقد نابليون بونابرت جيشه العظيم في روسيا، وفقد هتلر الجيش الألماني الهائل في روسيا أيضاً، ورأى الأوربيون أن هناك من يستدرجهم للحرب ضد روسيا لحساب رغبة أمريكا في أن تكون القوة العظمي المسيطرة على العالم، إن الأوروبيين معتادون على طاعة أوامر امريكا، ولكن عندما يتعلق الأمر بدفعهم الى العداء مع روسيا فقد بدأ الأوربيون يمارسون العصيان، وتبدو علامات السياسة الخارجية الأوروبية المستقلة عن امريكا واضحة في مقابلة المستشارة الألمانية ميركل والرئيس الفرنسي هولاند للرئيس الروسي بوتين لمحاولة حل الأزمة الأوكرانية التي خلقتها أمريكا.

وعندما ووجهت أمريكا بالفشل في سياستها الخاصة بمحاولة عزل روسيا وبظهور سياسة خارجية أوروبية مستقلة عند أمريكا سارعت أمريكا بارسال جون كيري وزير خارجيتها الى موسكو للقاء بوتين للبحث عن وسيلة لحل مشكلة أوكرانيا والعمل على تخفيف التوتر الناجم عنها، ولما كان بوتين رجلاً يريد السلام فقد سمح لأمريكا بصيغة حل تنقذ ماء وجهها، ولكن هذا لن يكون موضع رضاء المحافظين الجدد الذين يسيطرون على القرار في أمريكا أو العصابة العسكرية/ الأمنية الحاكمة، فالمحافظون الجدد قد استثمروا الى أقصى طاقتهم لتحقيق وضع أمريكا فوق الجميع.. والعصابة العسكرية/ الأمنية الحاكمة يسيل لعابها للأرباح الهائلة التي يمكن أن تجنيها من حرب باردة أو ساخنة جديدة تبيع فيها أسلحتها بمليارات الدولارات.

إن على أوباما وكيري وكاميرون رئيس وزراء بريطانيا أن يتحولوا الى حواة حتى يحولوا مشاعر شعوبهم من النظر الى الرئيس الروسي بوتين كأنه شيطان رجيم الى التحول فجأة لرجل يمكنهم التعامل السلمي معه.

وإذا كان الغرب قد فشل في التعامل بالقوة مع روسيا، فإنه يحاول الآن تطبيق سياسة الاغراق معها، إذا كانت الشعوب الغربية تأمل في تجنب السقوط في قبضة الدولة البوليسية التي فرضتها امريكا على كل الدول الغربية، فإن علينا أن نصلي لله ألا يسقط بوتين في فخ سياسة الاغراء الأمريكية الجديدة معه.

ليست هناك قيادة دولية في الغرب، هناك فقط أنانية واستغلال، فالقيادة الغربية هي قيادة استغلالية مبنية على نهب الغير، فالغرب ينهب الدول غير الغربية ويحاول حالياً نهب نفسه عندما يتحول الآن لنهب كل من ايرلندا واليونان، مع الاستعداد بعد ذلك لنهب كل من ايطاليا واسبانيا والبرتغال في المرحلة التالية، إن الشعب الامريكي نفسه قد تم نهب وظائفه وطموحاته وحرياته المدنية.

يتضح بجلاء أن النموذج الغربي للديمقراطية الرأسمالية ليس ديمقراطيا وليس رأسماليا، ولكنه نوع من الفاشية التي تحكمها أقلية مسيطرة إن الولايات المتحدة الأمريكية هى الدولة الأولى حالياً التي تحتاج الى تغيير نظام حكمها.

وإلى هنا ينتهي المقال الذي يتضح منه دون شك التخبط الذي يسيطر علي دوائر الحكم العليا في أمريكا، والذي قد يؤدي الى كارثة في العالم نظراً لتعارض المصالح وتعارض الرؤية في قمة السلطة التي تملك ترسانة نووية قادرة على ابادة الحياة تماماً فوق كوكب الأرض في عملية انتحارية مع خصم يملك نفس القدرة النووية على انهاء حياة كوكب الأرض.

والمتتبع لمسار السياسة العدوانية الأمريكية يقلقه تماما الشعور بأنه في قمة السلطة في أمريكا أشخاص مستعدون للمقامرة بمصير العالم بأقل أن تكون هناك فرصة لسحق خصومهم والانفراد بالسيطرة على العالم، ونرى المثل الحق أمامنا فيما حدث مؤخراً في أمريكا من نجاح المحافظين الجدد في اقصاء وزير الدفاع الأمريكي السابق من منصبه لأنه لم يكن من وجهة نظرهم صفراً بما فيه الكفاية وكان يتحدث عن البحث عن حلول سلمية للأزمة الأوكرانية فتم عزله من منصبه واستبداله بوزير دفاع من صفوفهم يمثل اقصى العدوانية والاستعداد للمخاطرة بحرب عالمية ثالثة لو لزم الأمر وهو أشتون كارتر الذي بدأ عمله بالتحرش الواضح بالصين والاعلان بأنه لن يسمح لغير أمريكا بالسيطرة على جزر بحر الصين الجنوبي، كما أعلن عن خطته في تسليح النظام الفاشستي الذي وضعته أمريكا في أوكرانيا.. وكذا حشد أسلحة في الدول المجاورة لروسيا ومنها دول البلطيق التي كانت جمهوريات سوفيتية داخل الاتحاد السوفيتي قبل أن يتفكك.

المدهش في كل ذلك أن مجرمي الحرب من صقور اليمين الامريكي ليسوا محصنين ضد صحوة ضمير واعتراف بجرائمهم احيانا، وأمامنا المثل الصارخ على ذلك مجرم الحرب جورج بوش الابن الذي قام بتدمير دولتي افغانستان والعراق عندما كان رئيساً لأمريكا، وقتل ملايين الأبرياء وشرد ملايين عديدة من مواطني هذه الدول بعد أن حطمها تماماً ودمر لها ما يقدر بمليارات بل تريليونات الدولارات، ثم فجأة في 20 مارس سنة 2013 يقف مجرم الحرب أمام العالم ويقول بالحرف الواحد في تصريح لجريدة «تكساس» إن حرب العراق كانت «خطأه الأكبر»، ويضيف مجرم الحرب أن نواياه كانت طيبة عندما ارسل القوات الأمريكية لغزو العراق لاعتقاده أنه كانت لديها أسلحة دمار شامل، وأنه بعد الغزو وبعد أن اتضح أن العراق خال تماما من أسلحة الدمار الشامل يعترف في صراحة ووقاحة يحسد عليها أن امريكا اضطرت عندئذ لفبركة الأدلة منعاً لحرجها أمام العالم.

وينهي مجرم الحرب اعترافه المذهل قائلا: لقد سألت الله المغفرة.. وأسأل الشعب الامريكي كذلك أن يغفر لي هذه الخطيئة.

هكذا ببساطة ينهي مجرم الحرب مسئوليته عن دماء الملايين العالقة في عنقه، ولا يفكر أن يقدم تعويضاً بأي صورة لضحاياه.. وتبلغ به الخسة والعنصرية أن يسأل الشعب الامريكي أن يغفر له جرائمه، ولا يفكر مجرد تفكير أن يسأل ملايين الضحايا أن يغفروا له مجرد سؤال.. فهم ينتمون لأجناس أقل في نظره من جنسه وبذلك لا يحق لهم العفو عنه أو مطالبته بأي تعويض ولو رمزياً.

نظن أننا لا نغالي عندما نقول إن الرد الوحيد على الاستعمار الامريكي وجرائمه هو ماتفعله روسيا والصين وحلفاؤهما حالياً، وما يفعله شعب فيتنام العظيم وما يجب على العرب الاستمرار في فعله حتي آخر رمق.

 

الرئيس الشرفي لحزب الوفد