رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الوحل والسراب

نعتقد أن السياسة الأمريكية في المنطقة ـ خلال الثلاثين عامًا الماضية ـ خسرت جميع رهاناتها، وفشلت في إقامة "شرق أوسط جديد"، أو على الأقل، لم تستطع إعادة ترتيب أوراق المنطقة وتغيير قواعد اللعبة، كما كانت تُمني نفسها.

السنوات الأخيرة أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك، أن منظِّري السياسة الأمريكية، وجدوا أنفسهم في مأزق، بعد أن تورطوا في "الوحل" العربي، ولم تُفلح خططهم المبنية على تحالفات مع أنظمة وقيادات ديكتاتورية "هشة" في تحقيق أهدافهم!

ربما نجحت أمريكا في بعض خططها الرامية إلى "إلهاء" الشعوب العربية في "سراب" الحرية والديمقراطية، من خلال تعبيد الطرق لوصول بعض الأنظمة إلى الحكم، في أعقاب ما يسمى بـ"ثورات الربيع العربي"، والتي انشغلت أو أُشغلت فيما بعد، في مستنقعاتها الداخلية أو مع جيرانها.

عندما تأكدت أمريكا من عجزها، وباتت الأمور خارج سيطرتها وقبضتها المُحكمة، بحثت في أوراقها البائدة، حتى وجدت ضالتها أخيرًا في إيران "الصديق اللدود" للعرب، لتزداد الأمور تعقيدًا، وتحتفظ واشنطن لنفسها بموقع المتفرج!

الإيرانيون تحقق لهم ما أرادوا، بعد طول انتظار، من خلال اتباع سياسة النفس الطويل، والذي أتى ثماره أخيرًا، بتوقيع الاتفاق النووي مع أمريكا والدول الكبرى، استتبعه كسر حاجز الصمت والخوف، ليتوافد "حجاج" وزوار قيادات العالم إلى البازار الإيراني.

لقد انتظر الإيرانيون موسم الحصاد، على مدى أكثر من 36 عامًا، بعد عزلة دولية استمرت طويلًا، وحصار خانق أنهكها على مدى عقود، لم يكن أكثر المتفائلين من الساسة والمحللين والخبراء يتوقع أن يستمر بضع سنوات، حتى تستسلم طهران وتُذعن صاغرة لشروط الغرب المذلة!

نعم؛ أمريكا لم تجد مفرًا من "الاستسلام" لإيران، بعد أن فشلت تمامًا في سياسة الاحتواء، ولم تعد تملك حلولًا بديلة، خصوصًا وأنها لم تستطع طول الفترة التي أعقبت الثورة الإيرانية في العام 1979 وحتى الآن، إيذاء طهران عبر العقوبات الاقتصادية.

إن المتابع للسياسة الأمريكية لن يجد صعوبة في إثبات عجزها وفشلها في أكثر من مكان بالعالم، كما فشلت في كوبا من قبل، وبرهنت على ذلك بافتتاح سفارة هافانا الجديدة في واشنطن، ولا نستبعد أن تكون محطة فشلها القادمة فنزويلا، وربما يتجه فشلها مستقبلًا وترضخ في النهاية لطموح وتطلعات بيونج يانج!

وبالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، فإننا نعتقد أن رهان أمريكا خاسر دائمًا، وإن كانت تعول على تحولات انفتاحیة داخل النظام الإیراني فهي بالطبع واهية، لأن أمريكا أمام نظام يرفض الهیمنة والتبعية، ودائمًا ما يعبر عن نفسه وطموحه قائلًا: "نحن لسنا دولة مهمة في الإقليم، بل نحن الدولة المهمة فيه".

إن مستقبل الشرق الأوسط أصبح مفتوحًا على كافة الاحتمالات، وما التطورات الأخيرة والأجواء المتوترة التي تعصف بالمنطقة إلا محاولة مختلفة لإعادة رسم الخريطة، وبعث جديد للإمبراطورية الفارسية، وبالتالي فإنه من غير المرجح أن تتخلى إيران عن النفوذ الذي تتمتع به فعليًا، أو المكتسبات التي حققتها.

نحن أمام تحدٍ جديد، لا مجال فيه لإبداء الامتعاض والغضب أو العتاب واللوم، أو انتظار حلول خارجية ـ كما جرت العادة، لأن الاتفاق النووي الأخير، أثبت أن اتباع طهران استراتيجية طويلة الأمد في المفاوضات الصعبة لسنوات مع القوى الدولية ـ تم التخطيط لها بصبر وحنكة ـ مصدرها براعة الإيرانيين في نسج السجاد الفاخر!