رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى



​في الوقت الذي تبحث فيه الدولة المصرية عن آليات للعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص وتنقيب القرى والنجوع عن العباقرة والموهوبين في شتى المجالات فاجأنا الاتحاد المصري لكرة القدم ببيان رسمي حول "الإجراءات التنفيذية لقواعد القيد لموسم 2026-2027" وفقاً لبيان اتحادالكره وفي بنده الخامس تحديداً، لم يكن مجرد تنظيم إداري، بل بدا وكأنه "وثيقة إقصاء طبقي وجغرافي" ترسم حدوداً وهمية حول أحلام أطفال الأقاليم.

​لقد نص القرار بوضوح صادم على عدم السماح بضم أي لاعب جديد أقل من 15 سنة خارج محافظته إلا بشروط تعجيزية منها أن يكون ولي أمره مقيماً في نفس المحافظة، أو ألا تزيد المسافة بين اللاعب والنادي عن 50 كيلومتراً!

​اغتيال الحلم في مهد الصبا
​سياسياً واجتماعياً، تُبنى الأوطان على مركزية الموهبة لا مركزية العاصمة. 
لكن اتحاد كرة القدم بهذا القرار يمارس نوعاً من "التمييز الجغرافي" ضد مواهب الأقاليم والقرى.

إن ربط حلم طفل لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره بمسافة الـ 50 كيلومتراً، أو باشتراط انتقال عمل ولي أمره هو حكم بالإعدام الكروي المبكر على آلاف المواهب التي لا تملك عائلاتها القدرة على نقل حياتها بالكامل إلى المدن الكبرى من أجل اختبار كرة قدم.

​القرى والنجوع في المحافظات كانت دائماً هي "المنجم الذهب الخالص" للكرة المصرية وحرمان الأندية الجماهيرية الكبرى من التنقيب بحرية في هذا المنجم يضعف المنتخبات الوطنية على المدى الطويل ويحصر اللعبة في فئة اجتماعية وجغرافية معينة تملك رفاهية السكن داخل نطاق الأندية الكبرى.

​لو طُبق هذا القرار قديماً أين كان سيكون "صلاح والنني"؟
​دعونا نعود بالذاكرة قليلاً لنواجه هذا القرار بمرآة الواقع والتاريخ القريب.

​محمد صلاح أيقونة الكرة العالمية وابن قرية "نجريج" بمحافظة الغربية عندما انضم لنادي المقاولون العرب في القاهرة وهو في سن صغير كان يقطع مسافات تفوق الـ 130 كيلومتراً يومياً متنقلاً بين عدة وسائل مواصلات ليرسم قصة كفاح ألهمت العالم.

بجواره محمد النني ابن مدينة المحلة الكبرى بالغربية الذي سافر وتغرب وصنع اسماً كبيراً في الملاعب الأوروبية والمنتخب الوطني.

​لو كان هذا القرار الموثق في البيان مفروضاً في ذلك الوقت لتم قيد صلاح والنني داخل حدود محافظة الغربية فقط، ولأُغلق في وجههما باب الانتقال لأندية القاهرة الكبرى بحجة "بعد المسافة" و"صغر السن" ولحُرمت مصر والعالم من مواهب غيرت خريطة الكرة المصرية.

​البعد المكاني ليس عائقاً بل بيئة لصناعة الرجال
​إن بعد المسافة لم يكن يوماً عائقاً يحرم الموهبة من السطوع، بل كان على مدار التاريخ مدرسة لتعلم الصبر، والالتزام والإصرار.
أطفال الأقاليم يمتلكون شغفاً جارفاً وتحدياً للظروف يفتقده الكثير من أبناء المدن المترفة.

​إن هذا التقييد الصادر من اتحاد الكرة يمثل ظهيراً بيروقراطياً يعيق التنمية الرياضية وبدلاً من أن يقوم الاتحاد بإنشاء مراكز تدريب إقليمية متطورة أو توفير "مقار إقامة آمنة وخاضعة للرقابة" للمواهب الصغيرة بالتعاون مع الأندية الكبرى اختار الحل الأسهل والأسوأ "المنع والتقييد".

​صرخة من أجل العدالة الكروية
​إن كرة القدم هي اللعبة الشعبية الأولى لأنها "لعبة الفقراء والمهمشين" الذين يجدون فيها تذكرتهم الذهبية نحو الحياة الكريمة ورفع اسم وطنهم عالياً.

وعندما تُسلب هذه التذكرة بقرارات إدارية تفتقر للرؤية الاستراتيجية فإننا لا نظلم الموهبة الصغيرة فحسب بل نظلم مستقبل الكرة المصرية برمتها.

​نطالب مجلس إدارة الاتحاد المصري لكرة القدم بمراجعة فورية للبند الخامس من بيان القيد لموسم 2026-2027 وفتح الأبواب لأبناء مصر في كل شبر من أرضها، فالموهبة لا تعترف بحدود المحافظات، و"الـ 50 كيلومتراً" لا يجب أن تقف عائقاً بين طفل مصري وحلمه في أن يكون "محمد صلاح" الجديد.