خارج السطر
الماء راكد فى البحيرة منذ سنوات، لذا يحركه كل حجر يلقى من علٍ
كتبت فى الأسبوع الماضى فى المكان ذاته عن كتاب جامعة أكسفورد بشأن الاقتصاد المصرى، والذى أشرف عليه ثلاثة اقتصاديين دوليين أحدهم الدكتور محمود محيى الدين، مبعوث الأمم المتحدة للتنمية ووزير الاستثمار الأسبق.
ولم أتوقع هذا التفاعل العظيم من القراء فى زمن أفول الصحافة، وخفوت آثار الكلمات، إذ تلقيت عبر المسارات الإلكترونية عشرات التعليقات والأفكار والإتهامات والتفسيرات والاتفاقات والاختلافات حول مضمون المقال، وخلاصات الكتاب.
وهذا الكتاب The OXFORD HANDBOOK OF THE Egyptia Economy أعد فى خمس سنوات، وشارك فيه 69 باحثا، وصدر نصه التفصيلى فى أكثر من 800 صفحة، وملخصه فى 88 صفحة. وقد انتهى إلى حقيقة دامغة هى أن مشاركات الدولة المصرية فى الاقتصاد على مدى أكثر من نصف قرن مثلت عامل إعاقة لأى تقدم محتمل. كما خلص إلى أن دخول الدولة فى الأنشطة الإقتصادية كبح الاستثمار الخاص ودفعه للعمل فى أنشطة هامشية أو العمل فى القطاع غير الرسمى، وصار توليد الوظائف أمراً بالغ الصعوبة، وانتهى الأمر بنا إلى دورات متعاقبة من الديون والتعثر والتخبط الاقتصادى.
لكن وفقاً للتعليقات، فإن كثيراً من الغاضبين من طرح الكتاب تبنوا نظرية المؤامرة واعتبروا أى عمل علمى يحمل اسماً غربياً (ولو أكسفورد أو هارفارد أو السوربون) يمثل استهدافاً استعمارياً إمبريالياً صهيونياً. ووصل الأمر ببعضهم إلى تسييس الطرح، وتبنى تصورات غرائبية تعكس آثار عقود الانغلاق الفكرى والحضارى والإنكفاء على الذات فى مجتمعنا.
من هنا يعجز العقل، ويفشل العقلاء فى الرد على اتهامات العمالة والخيانة من القطيع الذى يتقاسم قيادته الناصريون والمتأسلمون، وكل من يتبعون منهج اعتبار كل آخر عدو، وكل محدثة بدعة وكل بدعة مؤامرة.
ومثل هؤلاء يستسهلون التشكيك فى كل من يحاول حلحلة وضع بائس وسائد منذ عقود، كأننا متقدمون تقدماً مذهلاً يثير حسد الدول الكبرى التى تجيّش مؤسساتها العلمية لضرب نجاحاتنا.
لقد قضى الباحثون المشاركون فى الكتاب المذكور ستين شهرا يدرسون التنمية، الاستثمار، الوظائف، فرص العمل، الديون، تغيرات المناخ،المساواة بين الجنسين دراسة مستفيضة تناولت العقود المنصرمة دون تشخيص أو تسييس أو استهداف مرحلة بعينها، وناقشوا ما رأوه بتوسع وتجرد حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه من رؤى.
ومن قبل بذل د.محمود محيى الدين، وهو قيمة اقتصادية لها حضورها الدولى جهداً لا ينكر فى التفاوض مع اكسفورد لاعتماد الكتاب الدليل وإجازته كطرح علمى يضىء لأى صانع قرار نقاط القوة والخلل فى الاقتصاد الوطنى.
والمؤسف أن البعض ترك الكتاب وما فيه وركز انتقاده على د. محمود محيى الدين تحت ذريعة مشاركته فى الخصخصة وبيع أصول مصر،عندما كان وزيرا للإستثمار فى الفترة من 2005 إلى 2010 دون أن يلتفت أيهم إلى مراجعة أحوال الشركات التى خصخصت قبل ذلك وبعدها وما شهدته من نمو، وأحوال الشركات التى ظلت فى حوزة الدولة وما شهدته من تدهور. فضلا عما أحدثه الرجل نفسه فى بيئة الاستثمار من تنمية، شهد بها الجميع رغم مقاومة من بعض مؤسسات الدولة نفسها وقتها.
على أية حال، تبدو توصيات الكتاب مثل الدواء المر الذى قد لا يتقبله المرضى، يضيقون به، يستصعبون تناوله، وربما يرفضونه ويفضلون الأعشاب الشعبية، لكنه رؤية تستحق القراءة والتفكير.
وفى ظنى، وليس كل ظنونى آثام فإنه لا تنمية مستدامة وتلا قدم ملموس ولا تحسين لحياة المصريين دون فتح المجالات واسعة أمام القطاع الخاص، بعد انسحاب الدولة تدريجياً.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض