رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم تكن المواجهة الأمريكية ـ الإسرائيلية مع إيران مجرد حرب عسكرية محدودة، بل كانت اختباراً حقيقياً لقدرة القوة الصلبة على فرض نتائج سياسية دائمة في منطقة تتغير موازينها بصورة متسارعة. وإذا كانت الحسابات الأولية في واشنطن وتل أبيب قد انطلقت من فرضية أن الضربات العسكرية قادرة على كسر الإرادة الإيرانية أو دفع النظام نحو تقديم تنازلات واسعة، فإن مجريات الأحداث أظهرت أن الشرق الأوسط لم يعد كما كان قبل عقدين من الزمن.
فالحروب الحديثة لا تُقاس فقط بحجم الدمار، وإنما بقدرة الأطراف على تحويل الخسائر إلى مكاسب سياسية. ومن هذه الزاوية، تبدو طهران وقد نجحت في تجاوز أخطر اختبار واجهته منذ سنوات، إذ استطاعت امتصاص الضربات الأولى، والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة، مستفيدة من شبكة علاقاتها مع روسيا والصين، ومن التحولات التي يشهدها النظام الدولي باتجاه عالم متعدد الأقطاب.
لقد كشفت الحرب حدود القوة العسكرية الإسرائيلية والأمريكية في تحقيق أهداف تتجاوز الردع المؤقت. فبرغم التفوق العسكري والتكنولوجي الهائل، أثبتت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية أن معادلات الأمن في المنطقة لم تعد أحادية الجانب، وأن تكلفة الحروب المفتوحة أصبحت باهظة على جميع الأطراف.
كما أظهرت الأزمة أن أمن الطاقة العالمي ما يزال عاملاً حاسماً في رسم حدود الصراع. فالخشية من اضطراب الملاحة في مضيق هرمز أو ارتفاع أسعار النفط بصورة تؤثر على الاقتصاد العالمي، دفعت القوى الكبرى إلى تفضيل العودة إلى طاولة التفاوض بدلاً من الانزلاق نحو مواجهة شاملة يصعب التحكم بنتائجها.
وفي الواقع، فإن ما جرى يعيد إلى الأذهان دروس الحرب العالمية الثانية، عندما أدت الصراعات الكبرى إلى إعادة تشكيل موازين القوى الدولية. واليوم، يبدو الشرق الأوسط مقبلاً على مرحلة جديدة تختلف عن مرحلة الهيمنة الأمريكية المنفردة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث تتقدم قوى إقليمية ودولية جديدة، وتتشكل تدريجياً بيئة سياسية أقرب إلى التعددية القطبية.
أما الملف النووي الإيراني، الذي كان العنوان المعلن للحرب، فما زال بعيداً عن الحسم النهائي. فالمفاوضات الجارية تشير إلى اتجاه نحو حلول مرحلية وتفاهمات مؤقتة، بدلاً من تسويات جذرية تعالج مجمل الملفات الخلافية، وهو ما يمنح طهران هامشاً زمنياً أوسع للمناورة وكسب المزيد من الأوراق السياسية والاقتصادية.
وفي المقابل، تواجه الإدارة الأمريكية تحدياً يتمثل في تسويق أي اتفاق جديد باعتباره إنجازاً سياسياً يفوق اتفاق عام 2015، بينما تنظر إسرائيل بقلق إلى احتمال أن تقتصر التسوية المقبلة على الملف النووي دون معالجة منظومة الصواريخ الإيرانية أو النفوذ الإقليمي لطهران، وهي القضايا التي تعتبرها تل أبيب جوهر التهديد الاستراتيجي الذي تواجهه.
ومن هنا، بدأت تظهر تباينات متزايدة بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية. فواشنطن تسعى إلى تجنب حرب استنزاف طويلة ومكلفة، بينما كانت الحكومة الإسرائيلية تراهن على توسيع دائرة الضغط العسكري لتحقيق أهداف أبعد من البرنامج النووي، غير أن سقف الإمكانات العسكرية والاقتصادية، إضافة إلى غياب الرغبة الأمريكية في الانخراط المباشر، فرض واقعاً مختلفاً.
وبعيداً عن لغة الانتصارات الدعائية، فإن الحقيقة الأبرز التي أفرزتها هذه الحرب هي أن إيران عادت لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص الشرق الأوسط، وأن سياسة الاحتواء التقليدية لم تعد قادرة وحدها على رسم خرائط المنطقة.
وربما يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة: هل نجحت الولايات المتحدة في تحويل تفوقها العسكري إلى مكاسب سياسية طويلة الأمد، أم أن إيران استطاعت مرة أخرى تحويل الضغوط إلى فرصة، والخروج من قلب المواجهة أكثر حضوراً وتأثيراً؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني المرتقب، بل ستكشف أيضاً ملامح الشرق الأوسط الجديد، في زمن تتراجع فيه مشاريع الهيمنة القديمة، وتولد فيه توازنات جديدة في عالم يتجه بثبات نحو التعددية القطبية...،،!! محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية.،،!!