دروس خالدة من الهجرة النبوية لنهوض مجتمعاتنا المعاصرة
ضرب الأنصار المثل الأعلى في الحب والإيثار لإخوانهم المهاجرين حين قدموا عليهم مهاجرين بدينهم، لا يملكون شيئًا، فقدم لهم الأنصار كل شيء. لقد كان إيثارهم عظيمًا لا يُصدَّق، فعندما خرج المهاجرون من مكة كانوا لا يملكون شيئًا ولا يستطيعون العمل بالزراعة، أما أهل المدينة فكانوا تجارًا وزُرّاعًا، فاستقبلوا إخوانهم المهاجرين بصدر رحب وآثروهم على أنفسهم.
دروس خالدة من الهجرة النبوية
فهذا سيدنا سعد بن الربيع الأنصاري نزل عليه سيدنا عبد الرحمن بن عوف من المهاجرين، قال له: "يا أخي: هذه أموالي أجمعها لك - جمعها كلها من السوق - أقسمها بيني وبينك، هذا نصفي وهذا نصفك، وهذه هي الأراضي التي أمتلكها أقسمها بيني وبينك، وهذا هو بيتي، وإني متزوج بامرأتين، آتي لك بهما حتى ترى أيهما تحب لأطلقها لك وتتزوجها بعد أن تفي عدتها".
بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما هاجر وصحابته إلى المدينة ذهب إلى الأنصار وقال لهم عن المهاجرين: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ وَخَرَجُوا إِلَيْكُمْ». فَقَالُوا: أَمْوَالُنَا بَيْنَنَا قَطَائِعُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ؟»، قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هُمْ قَوْمٌ لَا يَعْرِفُونَ الْعَمَلَ فَتَكْفُونَهُمْ وَتُقَاسِمُونَهُمُ الثَّمَرَ»، قَالُوا: نَعَمْ.
هذا الخلق العظيم يُعدّ من مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال وهو بالغ الأهمية، لذا علينا أن نربي أنفسنا وغيرنا على خلق الإيثار والدعوة إليه من منطلق شرعي صحيح في ضوء الكتاب والسنة، فهو يبعث على المودة والرحمة، ويدل على الصفاء والنقاء، ولذلك أثنى الله - عز وجل - على المتصفين به، وبين أنهم المفلحون في الدنيا والآخرة؛ فقال تعالى: ﴿وَلَوۡلَاۤ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡجَلَاۤءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَهُمۡ فِی ٱلۡءَاخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ﴾ [الحشر: ٣].
الإيثار بين الصحابة: الأنصار والمهاجرون
وقد ضرب الصحابة أروع أمثلة الإيثار والسخاء: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، فَقَالَ: «مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ». فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» [صحيح مسلم: ( ٢٠٥٤ )]
ومن أبرز ما يتجلى فيه أسلوب القدوة النبوية قيمة الإيثار، تلك القيمة الأخلاقية التي ترقق القلوب وتهذب المشاعر وتقوي الاعتزاز بالنفس؛ لأن اليد الممتدة بالعطاء والإنفاق وإنكار الذات وبذل ما قد يكون الإنسان محتاجًا إليه، هي الأعلى، وبالحب أولى. عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: «اليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فاليَدُ العُلْيا هِيَ المُنْفِقَةُ، والسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ». [متفق عليه].
ولقد ضرب الأنصار أروع الأمثلة في الإيثار مع إخوانهم المهاجرين، وهذا يُعد من أعظم الدروس التي نتذكرها كلما مرت بنا ذكرى الهجرة النبوية، حيث أظهر الأنصار انتصارهم على شح النفس وأنانيتها: ﴿وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُوا۟ وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
فجدير بنا في وقتنا الحاضر أن نتأسى بأخلاق الجناب النبوي في نواحي الحياة كافة: ماديًّا ومعنويًّا، لا سيما في قيمة الإيثار، حيث يظهر أثرها أكثر وأكثر في الشدائد والمحن والأزمات، كما هو الحال لواقعنا المَعِيش.
ويأتي الإيثار على قمة الفضائل والقيم؛ يقول الشيخ محمد الغزالي: "والإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة، فحيث يشيع الجهل والنقص والجبن والبخل والجشع لا يمكن أن يصح إخاء أو تترعرع محبة، ولولا أن أصحاب رسول الله ﷺ جُبلوا على شمائل نقية واجتمعوا على مبادئ رضية، ما سجلت لهم الدنيا هذا التآخي الوثيق في ذات الله" [خلق المسلم، ص ٣٩].
ومما يؤكد مكانة قيمة الإيثار عناية واهتمام القرآن الكريم والسنة المطهرة بها، وهذا أكبر دليل على أفضلية وأهمية هذه القيمة، علاوة على وصف القرآن الكريم صاحبها بالحب وسلامة الصدر والفلاح، وهذه مرتبة عظيمة ليس كل شخص يستطيع الوصول إليها. وهذا يبين لنا أن مكانة قيمة الإيثار بين الفضائل والقيم عظيمة جدًا، فهي من أجَلِّ الأخلاق وأعلاها وأرقاها، وصاحبها عالي الهمة كريم السلوك.
مواقف نبوية عملية في الإيثار
ورد عن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاؤُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ، فَقَالَ: «أَنَا نَازِلٌ». ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِعْوَلَ فَضَرَبَ، فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ، أَوْ أَهْيَمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ، فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا مَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَبْرٌ، فَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: عِنْدِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ، فَذَبَحْتُ الْعَنَاقَ، وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْعَجِينُ قَدِ انْكَسَرَ، وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الْأَثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ أَنْ تَنْضَجَ، فَقُلْتُ: طُعَيِّمٌ لِي، فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ، قَالَ: «كَمْ هُوَ». فَذَكَرْتُ لَهُ، قَالَ: «كَثِيرٌ طَيِّبٌ»، قَالَ: قُلْ لَهَا: «لَا تَنْزِعِ الْبُرْمَةَ، وَلَا الْخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ»، فَقَالَ: «قُومُوا»، فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ: وَيْحَكِ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: هَلْ سَأَلَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «ادْخُلُوا وَلَا تَضَاغَطُوا»، فَجَعَلَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ، وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ وَالتَّنُّورَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ، وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ، فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الْخُبْزَ، وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ، قَالَ: «كُلِي هَذَا وَأَهْدِي، فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ» [متفق عليه].
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض






