رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

دور الهجرة النبوية في بناء المجتمع الإسلامي

بوابة الوفد الإلكترونية

من المقرر أن الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة لم تكن انتقالًا جغرافيًا أو هروبًا من الاضطهاد والتعذيب، بل كانت انتقالًا استراتيجيًا من مرحلة الدعوة إلى مرحلة بناء الدولة والمجتمع، حيث أُرست فيها قواعد مجتمع جديد مبني على أسس حضارية واجتماعية غير مسبوقة، فقد استطاع النبي -صلى الله عليه وسلم- إيجاد بيئة اجتماعية منسجمة ومترابطة وقوية.


بناء المسجد كمركز للتفاعل والتوجيه الاجتماعي

بمجرد وصول النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، كان أول عمل قام به هو بناء المسجد، وكان البعد الاجتماعي فيه واضحًا وبقوة؛ إذ كان بمثابة البرلمان الذي يجتمع فيه المسلمون لمناقشة شئونهم، والمدرسة التي يتعلمون فيها قيمهم الجديدة، والمحكمة التي تُفَضُّ فيها النزاعات، والملجأ للفقراء وعابري السبيل.

بهذه المركزية للمسجد وُجِدَت حالةٌ من المساواة المطلقة؛ فالغني يقف بجوار الفقير، والسيد بجوار المولى، مما أذاب الفوارق الطبقية التي كانت متجذرة في المجتمع الجاهلي بشكل عملي ويومي.


المؤاخاة.. أعظم هندسة اجتماعية في التاريخ

إنَّ أبرز الأبعاد الاجتماعية للهجرة هي المؤاخاة التي عقدها النبي -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين -الذين تركوا أموالهم وديارهم في مكة- والأنصار -أهل المدينة- لم تكن هذه المؤاخاة مجرد تعاطف عابر، بل كانت رابطة دينية واجتماعية ترتبت عليها الحقوق والواجبات، حتى وصلت إلى حد التوارث في بداية الأمر قبل أن يُنسخ ذلك بآيات المواريث.

لقد ضرب الأنصار أروع الأمثلة في الإيثار، فكان الواحد منهم يعرض شطر ماله على أخيه المهاجري، ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما حدث بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، حيث عرض سعد نصف ماله على عبد الرحمن، فما كان من الأخير إلا أن تعفف وقال: "بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلَّني على السوق"، وهذه القصة تبرز كيف عالجت المؤاخاة أزمة اللاجئين بالمفهوم المعاصر ديموغرافيًا واقتصاديًا ونفسيًا دون تكوين مخيَّمَات عزل، بل عبر دمجهم في قلب نسيج المجتمع المضيف [أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب إخاء النبي بين المهاجرين والأنصار].


وثيقة المدينة وإرساء مبدأ المواطنة والتعايش

واجه النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة مجتمعًا تعدديًا يضم المسلمين (مهاجرين وأنصار)، والمشركين الذين لم يسلموا بعد، واليهود بقبائلهم المختلفة، ولمعالجة هذا التحدي الاجتماعي، أصدر النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يُعرف بـ (صحيفة المدينة) أو (وثيقة المدينة).

تُعد هذه الوثيقة أول دستور مدني واجتماعي عرفته البشرية، حيث نظمت العلاقات بين مكونات المجتمع المختلفة على أساس المواطنة والجوار المشترك، لا على أساس الدين فقط، فقد نصَّت الوثيقة على أن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وأن على الجميع التعاونَ في حماية المدينة من أي عدوان خارجي، هذا البعد الاجتماعي أسَّس لمفهوم التعددية وقبول الآخر، وضمِن الأمن المجتمعي الداخلي [سيرة ابن هشام].


القضاء على العصبية القبلية وصهر المجتمع

كان مجتمع يثرب -المدينة المنورة- قبل الإسلام مُمَزَّقًا بفعل الحروب الأهلية الطاحنة بين قبيلتي الأوس والخزرج، والتي استمرت لعقود طويلة وآخرها يوم بُعاث، فجاءت الهجرة لتعالج هذا الصدع الاجتماعي العميق؛ فاستبدلت رابطة الدم والقبيلة برابطة العقيدة والأخوة.

لقد صَهَرت الهجرة هذه القبائل المتناحرة في بوتقة واحدة سُميت بالأنصار، وأَلغت النعرات الجاهلية، وقد امتن الله عليهم بهذا التآلف الاجتماعي في القرآن الكريم فقال -سبحانه: ﴿وَٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَاۤءࣰ فَأَلَّفَ بَیۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦۤ إِخۡوَٰنࣰا﴾، وعندما حاول بعض اليهود إشعال الفتنة مجددًا بين الأوس والخزرج بتذكيرهم بيوم بُعاث، تدخل النبي -صلى الله عليه وسلم- فورًا وقال:«أبِدَعْوى الجاهليةِ وأنا بينَ أظهُرِكُم» ليقطع أي محاولة لتمزيق النسيج الاجتماعي الجديد [تفسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير، تفسير سورة آل عمران، الآية ١٠٣)].


التكافل الاقتصادي ذو البُعد الاجتماعي

كان المهاجرون تجارًا لا يجيدون الزراعة، وقد تركوا رؤوس أموالهم بمكة، أمَّا المدينة فهي مجتمع زراعي بيد الأنصار، واليهود يسيطرون على الأسواق والحرف، وأمام هذه الأزمة جاءت الحلول الشرعية من خلال المشاركة كالمزارعة والمساقاة بين المهاجرين والأنصار في البساتين والزراعة، إلى جانب قيام النبي -صلى الله عليه وسلم- بتأسيس سوق جديد للمسلمين خالٍ من الاحتكار والربا الذي كان يفرضه اليهود، وهذا السوق الجديد وفَّر بيئة عمل عادلة للمهاجرين، وحَفِظَ كرامتهم الاجتماعية من سؤال الناس، مما ساهم في تحقيق استقرار نفسي واجتماعي واقتصادي متين للمجتمع الناشئ.


دور المرأة في الهجرة وبناء المجتمع الجديد

برز البعد الاجتماعي بقوة في الدور المحوري الذي لعبته المرأة المسلمة أثناء الهجرة وبعدها، فلم تكن المرأة كائنًا هامشيًا؛ بل كانت جزءًا أصيلًا في الهجرة النبويَّة، فأسماء بنت أبي بكر -ذات النطاقين- قامت بدور -لوجستي- بالغ الأهمية في نجاح الهجرة مِن خلال خُطَّة الإمداد بإيصال الطعام والمعلومات للنبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه أبي بكر -رضي الله عنه- في غار ثور [صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار].

ولم تنعزل المرأة في المجتمع الجديد -مجتمع المدينة- بل اندمجت في البناء الاجتماعي للدولة، فكانت تشارك في الشورى، وتُمَرِّضُ الجرحى في الغزوات، فأقامت السيدة رفيدة الأسلمية -رضي الله عنها- خيمة طبية في المسجد، وعَمِلت السيدة الشفاء بنت عبد الله -رضي الله عنها- في السوق، وقد ولَّاها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لاحقًا الحسبة السوق، فلقد رفعت الهجرة النبوية والمجتمع المدني من شأن المرأة، وأعطتها مساحة من الاستقلالية والمشاركة المجتمعية لم تكن معهودة في المجتمع المكي أو الجاهلي [الطبقات الكبرى لابن سعد].