مسؤولية دون سلطة
كثيرا ً ما نسمع عند تعثر مؤسسة ما؛ أن السبب هو ضعف القيادات، أو نقص الكفاءات، أو غياب الخبرات.لكن الحقيقة قد تكون مختلفة أحيانا ً.. فبعض المؤسسات لا تعاني من نقص الكفاءات بقدر ما تعاني من خلل في توزيع السلطات والمسؤوليات.
فقد تجد داخل المؤسسة أشخاصا ً يمتلكون الخبرة، والرغبة في العمل، والقدرة على الإنجاز، بل وقد يُحاسَبون على النتائج أيضا ً، لكنهم في الوقت نفسه لا يملكون الأدوات أو الصلاحيات التي تمكنهم من تحقيق ما يُطلب منهم.
وهنا تظهر واحدة من أخطر المشكلات الإدارية؛ وهي تحميل المسؤولية لمن لا يملك القرار.فمن غير المنطقي أن نطالب شخصا ً بالإنجاز، ثم نضع القرار في يد غيره.
ومن غير العادل أن نحاسب مسؤولا ً على نتائج لا يملك أدوات التأثير فيها.ولهذا كان من المبادئ الإدارية المستقرة أن السلطة والمسؤولية يجب أن يسيرا معا ً في خط واحد .. فكل مسؤولية يجب أن يقابلها قدر مناسب من السلطة، وكل سلطة يجب أن يقابلها قدر مماثل من المساءلة. أما عندما تنفصل السلطة عن المسؤولية، فإن المؤسسة تدخل تدريجيا ً في دائرة من الارتباك يصعب الخروج منها.فتصبح القرارات في مكان، والتنفيذ في مكان، والمحاسبة في مكان ثالث ويبدأ الجميع في البحث عن المسؤول عند الفشل، بينما تكون المشكلة الحقيقية كامنة في بنية النظام نفسه.
ولذلك فإن نجاح المؤسسات لا يتوقف فقط على اختيار العناصر ذات الكفاءة ، بل على وضعها داخل منظومة تمنحها الصلاحيات التي تتناسب مع المسؤوليات الملقاة على عاتقها. فالكفاءة وحدها لا تكفي، والخبرة وحدها لا تكفي، والنية الحسنة وحدها لا تكفي.
لأن أفضل السائقين لن يستطيعوا الوصول إلى وجهتهم إذا سُحبت منهم عجلة القيادة. وربما لهذا السبب تفشل بعض المؤسسات رغم امتلاكها عناصر متميزة، بينما تنجح مؤسسات أخرى بإمكانات أقل ولكن ضمن هياكل أكثر وضوحا ً وانضباطا ً. إن بناء المؤسسات القوية لا يبدأ من السؤال: من المسؤول؟ بل من سؤال أكثر أهمية: هل يملك هذا المسؤول السلطة التي تمكنه من أداء مسؤوليته؟ فإذا كانت الإجابة لا؛ فإن المشكلة ليست في الأشخاص، بل في النظام الذي وضعهم في هذا المأزق. ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق فقط بتغيير الأسماء، بل بإعادة التوازن بين السلطة والمسؤولية والمساءلة. فالمؤسسات لا تنهار دائما ً بسبب سوء النوايا؛ بل قد تنهار أحيانا ً بسبب سوء توزيع الصلاحيات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض