ليست كل الأماكن التي نجد أنفسنا فيها من اختيارنا .. فبعضها اختاره الله لنا قبل أن ندرك نحن لماذا نحتاج إليه.
كم من إنسان رسم لحياته طريقا ً واضحا ً، وحدد أهدافه بدقة، وتخيل أين سيكون بعد عام أو خمسة أعوام أو عشرة، ثم جاءت الحياة على غير ما أراد ووجد نفسه في مكان لم يخطط له، أو وظيفة لم يحلم بها، أو ظرف لم يتمناه، أو مرحلة لم يكن مستعدا ً لها.
وفي اللحظات الأولى غالبا ً ما نظن أن الأمور خرجت عن مسارها الصحيح، وأننا ابتعدنا عن الطريق الذي كان ينبغي أن نسلكه. نتساءل: لماذا حدث هذا؟ ولماذا الآن؟ ولماذا أنا؟
لكن الحقيقة التي لا نكتشفها إلا بعد مرور الوقت هي أن الله يرى من الصورة ما لا نراه .. فنحن ننظر إلى لحظة واحدة، بينما يرى سبحانه رحلة كاملة، بينما نحكم على المشهد من زاوية ضيقة، فسبحانه هو الذي يعلم ما كان وما يكون وما سيكون.
كم من باب أُغلق في وجه صاحبه فبكى عليه، ثم اكتشف بعد سنوات أن وراء ذلك الباب كانت تنتظره خسارة كبيرة أو معاناة أشد، وكم من أمنية تأخرت حتى ظن صاحبها أنها لن تتحقق أبدا ً، ثم أدرك لاحقا ً أن توقيتها المتأخر كان نعمة لا حرمانا ً.
هناك أماكن يأخذنا الله إليها لا لنستقر فيها؛ بل لنتعلم منها الصبر، ونراجع فيها أنفسنا، ونكتشف فيها جوانب من شخصياتنا لم نكن نعرفها، أماكن تبدو هادئة من الخارج، لكنها في الحقيقة تعيد بناء الإنسان من الداخل.
وفي تلك المراحل تحديدا ً يتعلم الإنسان أن ليس كل حركة تُرى بالعين؛ فالبذور تنمو تحت التراب في صمت قبل أن تظهر فوق الأرض. وكذلك بعض مراحل الحياة تبدو ساكنة، بينما يحدث داخل الإنسان فيها أكبر قدر من النمو والتغيير.
المشكلة أننا غالبا ً نقيس النجاح بسرعة الوصول، بينما تقيسه الحياة أحيانا ً بمدى استعدادنا لما نصل إليه .. لذلك لا يكون التأخير دائما ً عقوبة، ولا يكون الانتظار دائما ً خسارة، ولا تكون الطرق الهادئة دليلا ً على التوقف.
فكم من شخص كان يظن أن حياته تعطلت؛ بينما كانت تُعاد صياغتها، وكم من إنسان شعر أنه فقد الاتجاه، بينما كان يُقاد إلى المكان الذي يناسبه أكثر مما كان يتخيل.
إن الإيمان الحقيقي لا يعني أن نفهم كل شيء؛ بل أن نطمئن حتى عندما لا نفهم أن نثق بأن وراء كل باب مغلق حكمة، ووراء كل تأخير تدبير، ووراء كل منع عطاء قد لا ندركه إلا بعد حين.
ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان مع النضج هو أن بعض الإجابات لا تأتي بالكلام؛ بل بالأيام، وأن كثيرا ً من علامات الاستفهام التي أقلقته يوما ً تتحول مع الوقت إلى علامات تعجب أمام دقة الترتيب الإلهي.
لذلك إذا وجدت نفسك اليوم في مكان لم تخطط له، فلا تتعجل الحكم عليه. وإذا شعرت أن الطريق مختلف عما تمنيت، فلا تعتبر ذلك ضياعا ً بالضرورة فقد يكون الله قد اختار لك ما هو أنسب مما اخترت أنت لنفسك.
وربما يأتي يوم تنظر فيه إلى الخلف ، فتبتسم وتقول: الآن فقط فهمت لماذا سرت في ذلك الطريق، ولماذا بقيت في ذلك المكان، ولماذا تأخرت بعض الأمنيات.
فما ظننته يوما ً تعطيلا ّ .. كان في الحقيقة ترتيبا ً.
وما ظننته ضياعا ّ .. كان هداية.
وما ظننته نهاية طريق ..كان بداية طريق أفضل.
فإذا اختار الله لك طريقا ً صعبا ً، فاعلم أنه رأى فيك قوة لم ترها أنت بعد، ورأى في روحك قدرة على العبور لم تكتشفها بعد.
فامضِ مطمئنا ً .. فبعض الأماكن التي لم نخترها لأنفسنا كانت أجمل ما اختاره الله لنا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض