رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى


الجدل المتصل حول قانون تداول المعلومات والحق في النفاذ إلى البيانات ذات الطابع الرسمي، يعد جزءا من النقاش العام في مصر منذ عقود قليلة. بيد أن تأصيل هذا الحق في الأدبيات الوفدية يتجاوز بأشواط هذه العقود، بل يسبق  المفهوم  التقليدي للمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حول الحق في التعبير، إذ يصل إلى جذور الوعي الوطني المصري. حيث وثق الكاتب والمفكر الوفدي حافظ عباس مأثورات خالدة على لسان سعد زغلول، تؤكد أن الشفافية في مدرسة "زعيم الأمة" كانت ركنا أصيلاً في عقيدته الوطنية.

وما أبلغ ما سطره سعد في هذا السياق، في قوله الذي تصدّر جريدة "البلاغ" عام 1921: "إنني لا أخفي عن الأمة شيئاً، فإن أخفيت عنها خنتها، وإن خنتها فقدت ثقتها، ومن يفقد ثقتها لا يستحق أن يمثلها". وسجل عباس ما هو أبعد من السلوك الشخصي لسعد، في كشف إيمانه الراسخ بأن "السرية هي سلاح من يخشى الناس، والعلانية هي سلاح من يصدقهم".
لقد كان سعد زغلول مدرسة سابقة لعصرها، أرسى قواعد حقوقية وقانونية عديدة كادت تضع الدولة المصرية رغم كل ظروفها وتحدياتها آنذاك في مسار تجربة تركت لنا إرثا بالغ الأهمية.

ومع ذلك، فإن العقود الطويلة اللاحقة لسعد و السابقة علينا، وما حملته من متغيرات جيوسياسية وأمنية فرضها الصراع العربي الإسرائيلي، فضلاً عن توسع أدوات الدولة وهيكلها، والذي جعل من الإدارة منظومة بالغة التعقيد، كل ذلك جعل قضايا الدولة لا تجري على سجيتها كما كانت في مطلع القرن الماضي.

إذ إن تحقيق المصلحة العليا للدولة بات يتطلب توازنا دقيقا؛ فالمطالبة بالعلانية في ظل التهديدات الوجودية والاقتصادية قد تتحول في غفلة من الوعي إلى تقديم المعلومة للخصوم كهدية، مما يضع مغاهيم عديدة منها الأمن القومي أمام تحديات غير مسبوقة.

إن الاتجاه التشريعي الحديث، الذي يعلي من شأن الحق في النفاذ إلى المعلومات، هو ذاته الذي أدرك بدقة متطلبات الموازنة مع حالات الحجب. وفي هذا الإطار، برزت قواعد أخرى لتنظيم السرية في إطار من حق التدوال،  ضمن ثلاثة مستويات متدرجة، تنطلق من مبدأ أن المعلومة ملك للمواطن، والاستثناء هو الحجب. فحق التداول وإن كان الأصل إلا أنه ليس مطلقا، والأمن القومي رغم أهميته لا يلغي الحق الأصلي الذي يملكه المواطنون.

هذه الرؤية الفلسفية تبلورت في ثلاث مستويات قانونية، أولها 
الحق في تقييد التداول بشكل مؤقت، فالأغراض الإدارية المؤقتة، قد تمنح الوزير المختص تحت رقابة صارمة من "مجلس للمعلومات المستقل" حقاً محدوداً بتقييد تداول خبر إداري لفترة لا تتجاوز العام، درءاً للإرباك الإداري وحفاظاً على استقرار القرارات الوليدة.
وثانيها، حجب المعلومات احتراما للمصلحة العامة، وهي القواعد التي تحمي خصوصية عمل مؤسسات الدولة غير العسكرية، حفاظا على التنافسية الاقتصادية أو حماية للمفاوضات الحساسة التي قد يضر إعلانها بمصلحة المواطنين انفسهم.
وثالثها،  حماية الأمن القومي، وهي الدرجة القصوى التي تتعلق بالأمور السيادية العليا، أو المعلومات ذات الشان العسكري والامنى، حيث تلتزم ديمقراطيات كثيرة بفترات حجب طويلة، قد تصل في بعض التجارب الدولية إلى خمسين عاما قابلة للتجديد لمرة واحدة.

ورغم إيماننا بحق الدولة في صون أسرارها، إلا أن هذا الحق ليس مطلقا، ولا ينبغي أن يكون أبديا. فالسرية التي تفرضها الضرورة اليوم، يجب أن تسقط بالتقادم غدا، كما أن الاستثناء من العلانية ليس استثناءً من الدوام، فالحقيقة هي ملك للأجيال، والتاريخ كأداة للوعي لا يؤدي دوره بالأسرار، بل بالحقائق التي تظهر لأصحابها بعد زوال مبررات الحجب وحججها المشروعة.

إن الغاية النهائية من تقييد المعلومات يجب أن تظل دائماً هي حماية الأمة ومصالحها، لا حماية السلطة. فإذا ما تحولت السرية إلى ستار يخفي العجز أو التجاوز، فقدت مشروعيتها، وأصبح الحق في التداول هو الطريق الوحيد لاستعادة حق الشعب؛ وهي الحق  التي اعتبره سعد زغلول المعيار الأوحد للبقاء في مقعد المسؤولية، والإطار الأخلاقي الذي يجب أن يتحلى به سياسي او مسؤول أو موظف عام في الألفية الثالثة.