بـ613 لجنة مقابل 2150 فى العام الماضى
«التربية والتعليم» تواجه «الغش الإلكترونى» باللجان المجمعة
«الدمج الذكى» سلاح الوزارة.. ومخاوف بين الطلاب وأولياء الأمور من بُعد المسافات
تساؤلات عن استعداد الوزارة لتنظيم دخول أعداد أكبر من الطلاب والتغلب على غياب المراقبين
خبير قانونى: الحبس حتى 7 سنوات وغرامات تصل إلى 200 ألف جنيه لمروجى الغش وتسريب الامتحانات
خبير تربوى: نجاح التجربة مرهون بحُسن الإدارة
مع اقتراب انطلاق امتحانات الثانوية العامة فى الحادى والعشرين من يونيو، تخوض وزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى واحدة من أكثر التجارب التنظيمية تعقيداً وحساسية خلال السنوات الأخيرة، عبر إعادة رسم الخريطة الجغرافية للجان الامتحانات من خلال تطبيق نظام «التجمعات الامتحانية»، فى محاولة لإغلاق ملف الغش الإلكترونى الذى تحول إلى كابوس سنوى يهدد مصداقية الامتحانات وعدالة التقييم بين الطلاب.
وتسعى الوزارة من خلال النظام الجديد إلى فرض شكل مختلف من السيطرة الأمنية والتنظيمية على اللجان، عبر ما يمكن وصفه بـ«الدمج الذكى»، الذى يقوم على إلغاء اللجان الصغيرة أو المتطرفة جغرافياً، وتجميع طلاب المدارس المتجاورة داخل مجمعات امتحانية كبرى مجهزة تكنولوجياً، بحيث تصبح هذه المقار بمنزلة «مربعات أمنية مغلقة» يسهل تأمينها ومراقبتها إلكترونياً وجغرافياً، فى إطار خطة تستهدف الحد من تسريب الامتحانات ومنع تداول الأسئلة عبر وسائل التواصل الاجتماعى.
ووفقاً للإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم، تعتمد المنظومة الجديدة على أرقام ومؤشرات تعكس حجم التغيير الذى تستعد الوزارة لتطبيقه هذا العام، حيث يبلغ عدد الطلاب المتقدمين لامتحانات الثانوية العامة 921 ألفاً و709 على مستوى الجمهورية، بينما تم تخصيص 613 تجمعاً امتحانياً رئيسياً جرى اختيارها وفقاً لمعايير تتعلق بالكفاءة الهندسية والطاقة الاستيعابية، إلى جانب توزيع 2032 لجنة فرعية داخل هذه التجمعات، مقارنة بـ2150 لجنة خلال العام الماضى، وهو ما يعكس توجهاً واضحاً نحو تقليص عدد المقار الامتحانية بهدف تسهيل عمليات الرقابة والإشراف والمتابعة.
بين الانضباط والقلق
ورغم أن الوزارة تراهن على النظام الجديد باعتباره خطوة حاسمة نحو إحكام السيطرة على اللجان ومواجهة الغش الإلكترونى، فإن القرار أثار حالة واسعة من الجدل داخل الشارع التعليمى، ما بين من يرى فيه فرصة حقيقية لتحقيق العدالة بين الطلاب، ومن يخشى من تداعياته النفسية واللوجستية، خاصة فيما يتعلق بصعوبة الانتقال وبعد أماكن اللجان الجديدة.
يقول أحمد متولى، طالب بالصف الثالث الثانوى شعبة علمى رياضة، إن الفكرة فى بدايتها بدت مقلقة للكثير من الطلاب بسبب أداء الامتحانات داخل مدارس غير معتادة وربما بعيدة عن محل السكن، إلا أنه يرى أن للنظام جانباً إيجابياً لا يمكن تجاهله، موضحاً أن تجميع اللجان داخل مقار كبرى تخضع لرقابة مشددة بالكاميرات والإجراءات الأمنية قد يحد بشكل كبير من ظاهرة الغش الجماعى أو وجود لجان بعينها تعرف بالتسهيلات، وهو ما يمنح الطالب المجتهد إحساساً أكبر بالإنصاف بعد عام كامل من المذاكرة والضغوط.
وفى المقابل، عبرت منى الدسوقى، ولية أمر طالبة بالشعبة الأدبية، عن مخاوفها من الأعباء التى قد تفرضها التجربة الجديدة على الطلاب وأسرهم، مؤكدة أن الاعتراض لا يتعلق بفكرة الانضباط أو مواجهة الغش، وإنما بطريقة التنفيذ وتأثيرها على الحالة النفسية للطلاب، خاصة أن دمج اللجان الصغيرة قد يضطر بعض الطلاب إلى الانتقال يومياً مسافات أطول خارج نطاقهم السكنى المعتاد، ما يعنى الاستيقاظ فى ساعات مبكرة جداً، وتحمل زحام المواصلات والضغط العصبى قبل دخول الامتحان، فضلاً عن الأعباء المادية المرتبطة بتكاليف التنقل اليومى طوال فترة الامتحانات.
حُسن الإدارة والتنفيذ
وتعليقاً على هذا أكد الدكتور محمد عبدالعزيز، أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس، فى حديثه لـ«الوفد» أن ما تم الإعلان عنه بشأن نظام «التجمعات الامتحانية» يقوم فى الأساس على تجميع عدد أكبر من اللجان داخل نطاق أو مكان واحد، تحت مبرر إحكام السيطرة على اللجان وتأمينها، متسائلاً: هل من المنطقى أن تكون السيطرة على عدد أكبر من اللجان أسهل من السيطرة على عدد أقل؟ موضحاً أن نجاح أى تجربة جديدة بهذا الحجم لا يرتبط فقط بإصدار القرار، وإنما يعتمد بصورة أساسية على مجموعة كبيرة من العوامل التنظيمية والإدارية واللوجستية التى يجب دراستها بعناية شديدة قبل التنفيذ الفعلى على أرض الواقع.
وأشار إلى أن هناك تساؤلات جوهرية تتعلق بكيفية إدارة عملية توزيع أوراق الأسئلة وتجميع أوراق الإجابات، وآليات نقلها من أماكن انعقاد اللجان إلى مراكز التصحيح والرصد، خاصة فى ظل وجود أعداد ضخمة من الطلاب وأولياء الأمور بمحيط المدارس أو الأماكن التى ستعقد بها هذه اللجان المجمعة، لافتاً إلى أن التصريحات الرسمية تتحدث عن تجميع ما يقرب من ثلاثة أضعاف عدد اللجان المعتاد داخل مكان واحد، وهو ما يفرض تحديات حقيقية تتعلق بالتنظيم والسيطرة والانضباط.
وأضاف أن السؤال البديهى الذى يفرض نفسه فى هذا السياق هو: كيف سيتم التحكم فى هذا العدد الهائل من الطلاب أثناء دخولهم اللجان فى توقيت واحد؟ وهل تم بالفعل تجهيز عدد كافٍ من المعلمين والملاحظين والمشرفين والمراقبين القادرين على إدارة هذه المنظومة الضخمة بكفاءة؟ خاصة أن الإجراءات التنظيمية- وفقاً لما تم الإعلان عنه- لم يتم توحيدها بصورة واضحة، بل تركت مسئولية التنفيذ والتعامل مع التفاصيل المختلفة لمديرى الإدارات التعليمية، وهو ما قد يؤدى إلى تفاوت كبير فى مستوى التطبيق من إدارة إلى أخرى.
وأوضح أن مثل هذه القرارات كان يجب أن تسبقها دراسة ميدانية حقيقية على أرض الواقع، تتناول طبيعة الاماكن التى سيتم فيها تنفيذ التجربة، ومدى جاهزيتها، وقدرتها على استيعاب هذه الأعداد الكبيرة، بدلاً من الاكتفاء بإصدار قرار مركزى دون الرجوع بصورة كافية إلى البيئة الفعلية التى سيطبق فيها القرار.
وتابع أن هناك نقطة شديدة الأهمية تتعلق بموقع أماكن التجمعات الامتحانية، وهل ستكون فى مناطق يسهل على الطلاب الوصول إليها، خاصة فى أوقات الذروة الصباحية، خاصة فى المحافظات والمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة، متسائلاً أيضاً عن وضع القرى والنجوع، وما إذا كانت هناك أماكن مناسبة ومجهزة يمكن الاعتماد عليها لعقد مثل هذه التجمعات، أم أن الطلاب سيضطرون إلى الانتقال مسافات طويلة بما قد يخلق أزمات إضافية تتعلق بالمواصلات والالتزام بمواعيد الامتحانات.
وشدد على ضرورة وجود خطة تنظيمية محكمة وواضحة لكل الإجراءات التنفيذية، خصوصاً فى ظل ارتفاع أعداد طلاب الثانوية العامة هذا العام بما يقارب 100 ألف طالب مقارنة بالعام الماضى، وهو ما يزيد من حجم الضغوط والتحديات المرتبطة بتنظيم العملية الامتحانية وتأمينها.
كما طرح تساؤلاً مهماً يتعلق بكيفية التعامل مع احتمالات غياب بعض أعضاء اللجان من الملاحظين أو المشرفين، وهو أمر وارد ومتوقع بدرجة كبيرة فى ظل ضخامة الأعداد المطلوبة للتشغيل، متسائلاً عما إذا كانت هناك بالفعل دراسة حقيقية لهذه الفرضية، وخطط بديلة للتعامل مع أى عجز مفاجئ قد يحدث داخل اللجان، خاصة مع وجود هذا العدد الضخم من الطلاب الذى يحتاج إلى رقابة وإدارة دقيقة.
وأشار إلى أن الهدف المعلن من القرار ما دام هو تأمين اللجان ومنع الغش الإلكترونى، فإنه يرى أن الحلول التقنية قد تكون أكثر فاعلية من مجرد تجميع اللجان، مقترحاً تركيب كاميرات مراقبة داخل اللجان، إلى جانب استخدام أجهزة تشويش على الهواتف المحمولة، لمنع تداول أوراق الامتحانات أو تصويرها وإرسالها عبر الهواتف المحمولة، وهى الظاهرة التى تتكرر كل عام، موضحاً أن عمليات التفتيش التقليدية قد تصبح غير كافية أو شبه مستحيلة فى ظل هذا العدد الكبير من الطلاب، وضيق الوقت المتاح قبل دخولهم إلى اللجان.
واختتم الدكتور محمد عبدالعزيز حديثه بتأكيد أن أى تجربة بهذا الحجم، إذا لم تكن قائمة على إجراءات دقيقة ومحكمة ومدروسة بشكل واقعى، فقد تؤدى فى النهاية إلى حالة من الفوضى التنظيمية، وربما تسفر عن نتائج صادمة وغير متوقعة، وهو ما يستدعى إعادة النظر بعناية فى آليات التنفيذ قبل بدء التطبيق الفعلى على نطاق واسع.
عقوبات رادعة
وفى السياق القانونى، أكد الدكتور أحمد محسن قاسم، المحامى بالاستئناف العالى ومجلس الدولة، لـ«الوفد» أن الدولة اتخذت خلال السنوات الأخيرة خطوات حاسمة لتشديد العقوبات المتعلقة بجرائم الغش الإلكترونى وتسريب امتحانات الثانوية العامة، وذلك فى إطار الحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب وصون نزاهة العملية التعليمية، من خلال التطبيق الصارم لأحكام القانون رقم 205 لسنة 2020 بشأن مكافحة أعمال الإخلال بالامتحانات.
وأوضح أن المادة الأولى من القانون نصت صراحة على أن:
«يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز سبع سنوات، وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز مائتى ألف جنيه، كل من طبع أو نشر أو أذاع أو روج بأى وسيلة أسئلة الامتحانات أو أجوبتها بقصد الغش أو الإخلال بالنظام العام للامتحانات»، مشيراً إلى أن المشرع المصرى تعمد تغليظ العقوبات فى هذا النوع من الجرائم لما تمثله من تهديد مباشر لمصداقية منظومة التعليم وعدالة التقييم بين الطلاب.
وأضاف أن نطاق المسئولية الجنائية لا يقتصر فقط على مرتكب الواقعة الأصلى، وإنما يمتد كذلك إلى كل من اشترك أو ساعد أو سهل ارتكاب الجريمة، سواء كان طالباً أو أحد القائمين على العملية الامتحانية أو أى شخص خارج اللجنة الامتحانية، مؤكداً أن تصوير أسئلة الامتحانات أو تداولها عبر تطبيقات مثل «تليجرام» أو غيره من مواقع التواصل الاجتماعى يعد جريمة جنائية مكتملة الأركان، وليس مجرد مخالفة تعليمية أو سلوكاً مخالفاً للوائح المدرسية.
وأشار إلى أن القانون فرق بوضوح بين مجرد حيازة الهاتف المحمول داخل اللجنة الامتحانية واستخدامه فعلياً فى أعمال الغش أو تسريب الأسئلة، موضحاً أن مجرد الحيازة قد يترتب عليه جزاء إدارى أو امتحانى وفقاً للقرارات والضوابط المنظمة لأعمال الامتحانات، بينما يتحول الأمر إلى جريمة جنائية متكاملة حال استخدام الهاتف المحمول أو أى وسيلة إلكترونية أخرى فى تصوير الأسئلة أو نشرها أو استقبال الإجابات من الخارج.
وبين أن المادة الثانية من القانون نصت على أن: «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من حاز بأى وسيلة من وسائل الاتصالات الحديثة أثناء انعقاد لجان الامتحانات أجهزة الهاتف المحمول أو أى أجهزة أو وسائل أخرى تستخدم فى ارتكاب أى من الأفعال المؤثمة»، مؤكداً أن المشرع استهدف من ذلك فرض حالة من الانضباط الكامل داخل اللجان الامتحانية ومنع أى وسيلة قد تستخدم فى الإخلال بسير الامتحانات.
وشدد على أن القانون لا يشترط وقوع الغش بصورة فعلية وكاملة حتى تتحقق المسئولية الجنائية، إذ إن «الشروع فى الغش» أو بدء اتخاذ خطوات تنفيذية لارتكاب الجريمة قد يكون كافياً لتوقيع العقوبة متى ثبت توافر القصد الجنائى ووجود الوسائل المستخدمة فى أعمال الغش أو التسريب، وهو ما يعكس اتجاه الدولة إلى التعامل بحسم مع تلك الجرائم قبل اكتمال نتائجها الفعلية.
وأضاف أن المسئولية القانونية قد تمتد كذلك إلى الملاحظين أو رؤساء اللجان فى حال ثبوت التسهيل أو الإهمال الجسيم أو التقصير فى أداء الواجبات الوظيفية، لافتاً إلى أن المخالفين فى هذه الحالات يخضعون للمساءلة التأديبية والجنائية وفقاً لأحكام القوانين المنظمة للخدمة المدنية، إلى جانب تطبيق أحكام قانون مكافحة أعمال الإخلال بالامتحانات.
واختتم الدكتور أحمد محسن قاسم حديثه بتأكيد أن العقوبات الحالية أصبحت أكثر صرامة ووضوحاً مقارنة بالسنوات الماضية، وأن الدولة باتت تتعامل مع جرائم الغش الإلكترونى باعتبارها اعتداء مباشراً على العدالة التعليمية ومستقبل الطلاب، موجهاً رسالة واضحة إلى الطلاب وأولياء الأمور بضرورة الالتزام الكامل بالقواعد المنظمة للامتحانات، وعدم الانسياق وراء صفحات الغش أو مجموعات التسريب الإلكترونى، لما قد يترتب على ذلك من عواقب قانونية جسيمة تصل إلى الحبس والغرامات المالية الكبيرة، فضلاً عن الجزاءات الإدارية والعقوبات الامتحانية التى تنص عليها اللوائح والقرارات المنظمة للعملية التعليمية.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض