"ذروة فن الحرب ليست أن تكسب مئة معركة، بل أن تخضع العدو دون قتال"
- صن تزو، استراتيجي صيني قديم
عندما أطلق الحكيم الصيني صن تزو هذه المقولة قبل ٢٥ قرن ، لم يكن يكتب تاريخًا، بل كان يرسم خارطة طريق لكل من يريد أن يفهم جوهر القوة في العلاقات بين الأمم. فالنصر الأعظم، في منطق صن تزو، لا يتحقق بسفك الدماء، بل بإجبار الخصم على الاعتراف بهزيمته دون أن يشعر أنه خاض معركة. هذا الدرس، الذي طالما فهمته الحضارات العريقة، يعيد تقديم نفسه اليوم بجلاء على مسرح السياسة العربية والدولية.
في كتاب "فن الحرب"، خصص صن تزو الفصل الثالث بأكمله للحديث عن "الهجوم بالحيلة والاستراتيجية". هذا الكتاب، الذي أنصح بقراءته، هو دليل عسكري صيني قديم يضم 13 فصلا، ويركز على أن الحرب ليست مجرد قتال، بل هي علم نفسي واقتصادي متكامل، ويمكن للقارئ أن ينظر للكتاب باعتباره خريطة طريق لفهم النفس البشرية وتفكيك الصراعات اليومية.
ونعود الآن إلى الحاضر السياسي والعسكري ، لنقارن بين نماذج القرار التي تتبناها دول المنطقة ، لنركز على أربع مدارس سياسية أساسية الأن ، تشكل كل واحدة منها فلسفة مختلفة لإدارة البقاء، في منطقة أضحت كـ"رقعة شطرنج" عالمية.
نري أن مصر احتفلت أمس بالذكرى السبعين للعلاقات المصرية-الصينية، وتبادل التهاني بين الرئيسين السيسي وشي جين بينغ. ولا يمكن النظر إلى ذلك باعتباره حدثا بروتوكوليا عابرا، بل هو رسالة سياسية عميقة تؤكد أن مصر، التي كانت سباقة بمد جسور التواصل مع بكين كأول دولة عربية وأفريقية، تختار طريق "الاستقرار عبر التنمية". هذا المسار ليس وليد الصدفة، بل هو قناعة راسخة بأن الأمن القومي لا يتحقق بالصدام، بل ببناء شراكات متينة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. القاهرة أدركت مبكرا أن الصين ليست شريكا اقتصاديا فحسب، بل هي ثقل مواز في عالم متعدد الأقطاب، وفي الوقت ذاته تتمتع مصر بقوة دبلوماسية تعترف بها واشنطن كوسيط أساسي في أي اتفاق لاستقرار المنطقة ووقف الحرب.
فيما نري التقارير الدولية الصادرة مؤخرا حول الحرب الإيرانية تكشف عن وجه آخر للسياسة الإقليمية، حيث تبنت الإمارات، بقيادتها الشابة، نهجا يقوم على "الواقعية الصادمة" والانخراط المباشر من خلال تنسيق أمني واستخباراتي مع واشنطن وتل أبيب . هذا النهج يعكس رؤية تؤمن بأن التواجد المؤثر في المعادلات الدولية هو سبيل لتعزيز المصلحة الوطنية. لقد انخرطت أبو ظبي في ديناميكيات معقدة، وتحملت تبعات ذلك، بمواجهات تهديدات أمنية مباشرة حيث استهدفتها الصواريخ الإيرانية بواقع ٢٨٠٠ صاروخ ومسيرة ، مما دفعها مؤخرا إلى إعادة تقييم استراتيجياتها والتوجه نحو التهدئة. هذا التحول يعكس تساؤلا حول جدوى القوة العسكرية وحدها مقابل الحاجة إلى التوازن الدبلوماسي.
فيما يبرز الدور السعودي كنموذج ذكي ، يجمع بين الالتزام بالتحالفات التاريخية و التطلع إلى أفق استراتيجي أوسع. الرياض، بوصفها من أكبر الدول العربية اقتصاديا وعضو في مجموعة العشرين، تدرك أن أمنها مرتبط باستقرار المنطقة، لكنها تدرك أيضا ضرورة تنويع خياراتها. في الموقف الحالي من التوتر الأمريكي-الإيراني، تتحرك السعودية على مستويين متوازيين: أولا، تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، التي ظلت عقودا حجر الزاوية في سياساتها الدفاعية. ثانيا، الانفتاح بقوة على الشرق، حيث أصبحت الصين شريكها التجاري الأول ومشتريا رئيسيا للنفط. الرياض تدعم الجهود الدبلوماسية لتهدئة الأوضاع، وقد شاركت في مساع إقليمية بالتعاون مع عمان وقطر ومصر لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، مع إبداء مرونة في التعامل مع إيران عبر الحوار غير المباشر، وفي الوقت ذاته تضع الاعتراف بالدولة الفلسطينية كشرط أمام الاتفاقية الابراهيمية. هذا النهج السعودي يعكس توازن استراتيجي يحفظ المصالح العليا للمملكة و استقرار المنطقة
أما الدور العماني فيبرز كنموذج يثير الإعجاب، خاصة في ظل التهديدات العلنية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه، والتي تضمنت تصريحات شديدة اللهجة بلغت حد "القصف والتدمير" إذا ما تعاونت مسقط مع إيران في مسائل الملاحة البحرية. هذه التهديدات لم تزد عمان إلا ثباتا على نهجها القائم على الحكمة وعدم الانجرار إلى الصدام. مسقط لا تستعرض عضلاتها عسكريا، بل تمارس "الذكاء السياسي" ببراعة .
فعندما واجهت مسقط ضغوطا أمريكية هائلة، لم تلجأ للصدام، بل استخدمت الاستراتيجية السياسية التي تعتمد على العوامل الخمسة للنصر التي أوردها صن تزو: التناغم الأخلاقي، المناخ، تضاريس الأرض، القيادة الحكيمة، والتنظيم الصارم. لقد كشف الموقف العماني الصارم مع التصريحات الأمريكية دهاءها السياسي ، ووضع واشنطن أمام حرج دولي دون أن تطلق رصاصة واحدة.
عمان، بتاريخها السياسي الممتد، أثبتت أن الكلمة الهادئة قد تكون أكثر تأثيرا من التهديدات العسكرية، وأن الحفاظ على الاستقلالية يتطلب ذكاء في قراءة ما بين السطور.
ما الذي يربط بين الاحتفاء بالصين في القاهرة، وبين التلويح باليوان الصيني في مضيق هرمز؟ الإجابة تكمن في التحولات الكبرى للنظام المالي والسياسي العالمي. فالدول العربية أدركت أن "عولمة بديلة" تتشكل، وأن الصين تقدم نموذجا يقوم على "عدم التدخل" و"المصالح المشتركة" و"التنمية أولا"، وهو ما يتوافق تماما مع رغبة هذه الدول في حماية سيادتها وتنويع شراكاتها. عندما تحدثت إيران مع عمان عن تحصيل الرسوم بـ "اليوان" بدلا من الدولار، كانت تلك رسالة غير مباشرة لواشنطن: هناك بدائل مالية وسياسية، وأنتم لستم الخيار الوحيد.
في النهاية نري أن المدرسة المصرية تركز على بناء الشراكات التنموية بعيدة المدى كضمان للاستقرار، وهي رؤية مناسبة لدولة ذات ثقل إقليمي ودور تاريخي. وتتبنى المدرسة العمانية الدهاء الهادئ والقوة الناعمة، مستخدمة القانون والدبلوماسية لتحويل التهديدات إلى فرص، وتقديم نموذج للدولة الوسيط.
فيما تؤمن المدرسة الإماراتية بالفاعلية المباشرة والانخراط العسكري والسياسي لحماية المصالح، مع القدرة على إعادة التموضع عند الحاجة. بينما تمزج المدرسة السعودية بين الحليف القديم والشريك الصاعد، وتسعى للعب دور توازني استباقي في تشكيل مستقبل المنطقة.
بينما تتجسد السياسة الأمريكية الحالية فيما ذكره المفكر الاستراتيجي زبيغنيو بريجنسكي من كتابه الشهير "رقعة الشطرنج الكبرى والتي أشار فيها ان السيناريو الأكثر خطورة وتدميراً لأمريكا سيكون تحالفاً كبيراً بين الصين وروسيا وربما إيران، تحالفًا مناهضًا للهيمنة لا توحده الأيديولوجيا بل المظالم المشتركة متبادلة المنفعة. وتجنب هذا الاحتمال سيتطلب إظهار مهارة جيوستراتيجية أمريكية على المحاور الغربية والشرقية والجنوبية لأوراسيا في آن واحد، وهذا يفسر حربها ضد إيران والتي تعتبر حرب غير مباشرة لمشاريع الصين في الجنوب.
ويظل السؤال الذي يفرض نفسه: هل سينجح الذكاء العماني والنهج السعودي المتوازن والمصري طويل الأمد في منع الانفجار؟ أم أن الإمارات ستعود إلى دور أكثر اندماجًا في التحالف الغربي؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة. لكن ما نعرفه يقينا: القوة الحقيقية في هذا العصر المضطرب ليست في التبعية أو الاندفاع، بل في امتلاك بوصلة وطنية ثابتة، وقدرة على قراءة ما بين السطور والاستفادة من دروس التاريخ التي تؤكد أن الإمبراطوريات تسقط بسبب الحروب غير المدروسة. فعلى الدول العربية أن تحافظ على استقلاليتها وتنوع شراكاتها، وأن تختار الوقت الأمثل للانسحاب من أي مواجهة قبل فوات الأوان.
"الطريقة الوحيدة لردع القوى العظمى عن سلوكها الإمبريالي هي بناء بدائل مستقلة وقوية. التاريخ يعلمنا أن من ينتظر الإذن بالتحرر لا يتحرر أبدا."
- نعوم تشومسكي،
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
