رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الراوى

«ليست كل الحكايات للتسلية… بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه»..

اعتاد الرجل البسيط أن يعيش أيامه القديمة بصورة تلقائية؛ يفرح دون إعلان، ويحزن دون منشور، ويشترى ما يحتاجه دون أن يلتقط له ثلاث صور من زوايا مختلفة. كانت الحياة أخف، والعلاقات أهدأ، والناس أقل انشغالًا بفكرة: «كيف نبدو»؟ لكن شيئًا ما تغيّر!

فى أحد المقاهى، كان يجلس يراقب مجموعة من الشباب حول طاولة واحدة. المشهد فى ظاهره يبدو مليئًا بالحياة؛ ضحكات مرتفعة، وهواتف لا تهدأ، وصور جماعية تتكرر كل عدة دقائق. لكنه لاحظ أمرًا غريبًا؛ الجميع منشغل بتوثيق اللحظة أكثر من عيشها.

أحدهم يعدّل وضع كوب القهوة للمرة الرابعة حتى تبدو الصورة «طبيعية»، وآخر يطلب من صديقه إعادة التصوير لأنه لم يبدُ سعيدًا بالشكل الكافى، وثالث يضحك بصوت أعلى كلما اقتربت الكاميرا منه، وكأن الضحكة نفسها أصبحت تؤدى للجمهور.

ابتسم الرجل وهو يتأمل المشهد، ثم قال فى داخله: يبدو أننا لم نعد نعيش الحياة فعلًا.. نحن فقط نصورها!

الأمر لم يعد متعلقًا بالصور وحدها، بل امتد لكل شيء تقريبًا؛ حيث أصبح بعض الناس يأكل ليصور الطعام، ويسافر ليعلن السفر، ويشترى الأشياء؛ لا لأنه يحتاجها، بل لأنه يحتاج أن يثبت شيئًا غير مفهوم للآخرين.

حتى المشاعر نفسها دخلت منطقة «العرض المباشر»؛ فالحزن له صورة مناسبة، والنجاح له منشور مدروس، والهدوء أصبح يحتاج إلى اقتباس طويل وصورة لفنجان قهوة بجوار كتاب لم يقرأه أحد أصلًا.

ومع الوقت، تحولت المقارنات إلى مرض اجتماعى صامت؛ كل شخص ينظر إلى حياة غيره من نافذة صغيرة اسمها «المنشورات»، ثم يقرر أن الجميع يعيشون أفضل منه. هذا سعيد طوال الوقت، وذلك يسافر باستمرار، وثالث يحقق النجاح بلا تعب، بينما هو وحده الذى يواجه الضغوط والفواتير وأزمات الحياة.

والمفارقة أن الجميع تقريبًا يفعلون الشيء نفسه فى الوقت ذاته؛ فكل شخص يخفى تعبه الحقيقى، ثم ينشر النسخة اللامعة من يومه، ليأتى شخص آخر ويقارن حياته الكاملة بصورة منتقاة بعناية.

وفى وسط هذا السباق الغريب، أصبح الإنسان مرهقًا دون أن يفهم السبب. هناك شعور دائم بأنه متأخر عن الآخرين، وأنه مطالب بأن يكون أكثر نجاحًا، وأكثر أناقة، وأكثر حضورًا، وأكثر سعادة، حتى لو كان بالكاد يحاول النجاة بيومه الطبيعى.

المؤسف أن البساطة نفسها أصبحت تُعامل أحيانًا كأنها فشل؛ فالشخص الهادئ يُتهم بأنه بلا طموح، والذى يعيش على قدر احتياجه يبدو فى نظر البعض أقل نجاحًا، رغم أن راحة البال التى يملكها قد لا يشتريها أصحاب الاستعراض كله.

الرجل نفسه عاد يتأمل الوجوه حوله مرة أخرى، فاكتشف أن أغلب الضحكات كانت قصيرة العمر، وأن معظم الناس يعودون إلى صمتهم فور انتهاء التصوير، وكأن الكاميرا وحدها هى التى تمنح اللحظة قيمتها.

وقتها أدرك فكرة بسيطة لكنها موجعة:

أن الإنسان حين ينشغل كثيرًا بصورة حياته… قد ينسى أن يعيشها أصلًا.

وفى طريق عودته، مرّ بجوار بائع شاى يقف بعربته الصغيرة على الرصيف، يشرب الشاى مع صديقه القديم ويضحكان بعفوية حقيقية لا توثقها كاميرا، ولا تنتظر إعجاب أحد.

ابتسم دون سبب واضح، ثم قال لنفسه:

ربما لا تزال هناك أشياء جميلة تحدث بره الكادر.

«تلك كانت حكاية من حكاياتنا يقُصها الراوى، ويترك لكم التعليق».

 

أستاذ الإعلام بكلية الآداب - جامعة المنصورة

[email protected]