“الجعان بيخدم اللي بيأكله .. أما الشبعان فبيخدم الجميع”
قد تبدو الجملة في ظاهرها مرتبطة بالطعام أو الحاجة المادية، لكنها في حقيقتها أعمق بكثير من ذلك .. فليست كل أنواع الجوع تُرى بالعين، ولا كل الاحتياجات تُقاس بالمال، فهناك جوع آخر أخطر وأشد تأثيرا ً وهو جوع النفس.
فالإنسان لا يتحرك دائما ً بدافع القناعة، بل أحيانا ً بدافع النقص.
هناك من يجوع للتقدير، ومن يجوع للاهتمام، ومن يجوع للأمان، ومن يجوع للحب، ومن يجوع للشعور بالقيمة.
وحين يشتد هذا الجوع الداخلي؛ يصبح الإنسان مستعدا ً لأن يمنح ولاءه الكامل لأي شخص أو جهة تمنحه ما يفتقده.
ولهذا؛ فبعض البشر لا يخدمون الأشخاص اقتناعا ً، بل احتياجا ً.
يتقربون ممن يمنحهم الشعور بالأهمية، ويصمتون أمام الخطأ خوفا ً من خسارة المكسب،
ويتنازلون عن جزء من أنفسهم مقابل جرعة اهتمام، أو دعم، أو احتواء.
فالجائع نفسيا ً لا يرى الأمور بوضوح كامل، لأن الاحتياج يغيّر زاوية الرؤية.
قد يدافع عن من يؤذيه، ويبرر لمن يستغله، ويتعلق بمن لا يقدّره، ليس لأنه لا يفهم الحقيقة، بل لأنه يخشى فقدان ما يُشبع هذا الفراغ داخله.
ومن هنا نفهم لماذا يتحول بعض الناس إلى تابعين لا أصحاب قرار.
فمن يجوع للمكانة قد يخضع لصاحب النفوذ، ومن يجوع للتقدير قد يبيع كرامته مقابل كلمات مديح، ومن يجوع للأمان قد يقبل العيش داخل علاقات أو أوضاع تستنزفه فقط لأنه يخشى الوحدة أو المواجهة.
أما الشبع النفسي ؛ فهو حالة مختلفة تماما ً.
لا يعني أن الإنسان لا يحتاج الآخرين، فكل البشر يحتاجون الحب والدعم والاحتواء، لكن الفرق أن الشبعان نفسيا ً لا يتحول احتياجه إلى عبودية، لا يركض خلف القبول طوال الوقت، ولا يتسوّل الاهتمام، ولا ينهار لأن أحدا ً تجاهله، ولا يشعر أن قيمته مرهونة برأي الناس فيه.
الشبع النفسي يمنح الإنسان اتزانا ً نادرا ً يجعله قادرا ً على العطاء دون انتظار مقابل، وعلى الاختلاف دون خوف، وعلى الرفض دون شعور دائم بالذنب، وعلى خدمة الجميع بعدل، لا خدمة من يطعمه فقط.
ولهذا ؛ فالفارق الحقيقي بين البشر ليس في حجم ما يملكونه، بل في حجم ما يحتاجونه من الداخل.
فكلما قلّ احتياج الإنسان المرضي للناس؛ زادت حريته، وامتلأ وعيا ً وكرامة ً وسلاماً داخليا ً، وأصبح أكثر قدرة على رؤية الأمور بوضوح، واتخاذ قراراته دون تبعية أو خوف.
والحقيقة المؤلمة أن أخطر أنواع الجوع ليست جوع المعدة، بل جوع الروح.
فجوع الجسد قد يُشبعه رغيف،
أما جوع النفس فقد يدفع الإنسان إلى استنزاف عمره كله وهو يطارد شعورا ً لا يعرف كيف يصنعه داخل نفسه.
ولهذا ؛ فإن بناء الإنسان من الداخل ليس رفاهية كما يظن البعض، بل ضرورة .. لأن من لا يملأ نفسه بالوعي، والكرامة، والتوازن، سيظل يبحث عن نفسه في عيون الآخرين، وعن قيمته في رضاهم، وعن أمانه في قربهم.
وقد يربح الكثير من الناس حوله .. لكنه في النهاية يخسر نفسه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض