منذ سنوات ؛ والإعلام يحدث نفسه، بنفس الوجوه، ونفس اللغة، ونفس أسلوب التبرير والتطبيل وكأن الزمن توقف .. بينما الواقع من حوله يتغير بسرعة وضغط غير مسبوقين.
يتحدث المواطن عن أزمات المعيشة، فيُفاجأ بخطاب لا يشعر به.
يشكو الناس من الضغوط اليومية، فيجدون من يحاول إقناعهم بأن ما يعيشونه مجرد “سوء تقدير” أو “عدم فهم”.
بل الأخطر من ذلك ؛؛؛
أن بعض هذه النماذج الإعلامية لم تعد تمارس دور الإعلام أصلاً بل تحولت إلى ما يشبه “حائط العزل” بين الدولة والشارع.
فبدلا ً من نقل الحقيقة، أصبح البعض ينقل ما يتصور أنه يرضي المسئول.
وبدلا ً من دق جرس الإنذار مبكرا ً، أصبح الهدف أحيانا ً هو إخفاء صوت الإنذار نفسه.
وهنا تتحول المشكلة من تراجع مهني إلى عبء حقيقي على الدولة.
لأن الدولة القوية لا تحتاج إعلاما ً يُجمّل لها الواقع؛ بل تحتاج إعلاما ً يرى الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة.
فالدول لا تُدار بالصوت المرتفع، ولا بعدد المذيعين الذين يتنافسون في إظهار الولاء .. حتى بات المشاهد أحيانا ً يشعر أن الجميع يقرأ من “اسكريبت” واحد، بل تُدار بوعي حقيقي يربط القيادة بنبض الناس.
ولذلك؛
فإن أخطر ما قد تواجهه أي دولة ليس غضب الشعوب؛ بل أن تُحاصر بصورة غير حقيقية عن الشارع، بينما يظن البعض أنهم بذلك “يحافظون على الاستقرار”.
والحقيقة أن الإعلام حين يفقد صدقه؛ يفقد تأثيره، ثم يفقد الناس، ثم يتحول تدريجيا ً إلى عبء على الدولة نفسها.
ومن هنا؛
فإن المسألة لم تعد مجرد نقد لبعض الأداء الإعلامي؛ بل أصبحت قضية وعي وطني تستوجب مراجعة حقيقية وشجاعة.
كما أن الصمت الحزبي والبرلماني تجاه هذا التراجع المستمر يطرح تساؤلات خطيرة.
فالأحزاب ـ باختلاف توجهاتها ـ ليست مجرد كيانات انتخابية أو مقار سياسية؛ بل من واجبها أن تتحرك دفاعا ً عن وعي المجتمع، وأن تستخدم أدواتها الإعلامية والنيابية والسياسية للضغط من أجل تصحيح المسار الإعلامي، واستعادة الإعلام الوطني المهني القادر على نقل الحقيقة لا دفنها.
كذلك فإن البرلمان ـ باعتباره ممثلا ً للشعب ـ مطالب بأن يفتح هذا الملف بجرأة ومسئولية، لأن الإعلام ليس مجرد برامج وشاشات، بل أحد أهم أدوات تشكيل الوعي العام والاستقرار الوطني.
ولعل ما يزيد الألم ؛؛؛
أن مصر عرفت في مراحل سابقة نماذج إعلامية ومهنية أكثر وعيا ً وتأثيرا ً وانضباطا ً.
ويكفي أن نتذكر المدرسة الإعلامية التي وضع أسسها القامة الوطنية الكبيرة الدكتور/ عبد القادر حاتم ـ رحمه الله ـ والتي قامت على فكرة أن الإعلام الوطني الحقيقي لا يكون بالتطبيل؛ بل بالوعي، والانضباط، والمصداقية، واحترام عقل المواطن، وربط الدولة بحقيقة المجتمع لا بصورة مُتخيٌَلة عنه.
أما استمرار المشهد الإعلامي الحالي بنفس أدواته، ونفس أسلوبه الحالي الذي لم يعد يواكب وعي الناس ولا طبيعة العصر ؛؛؛ فلا يصنع ثقة، ولا يبني وعيا ً، بل يوسع الفجوة بين المواطن وما يُقدَّم له على الشاشات.
لأن المواطن قد يصبر على الأزمات .. لكنه لا يحترم من يحاول إقناعه بأن ما يراه بعينيه غير موجود.
ولهذا؛
فإن إصلاح الإعلام لم يعد رفاهية، بل ضرورة وطنية عاجلة .. ليس دفاعا ً عن حرية الإعلام فقط، بل دفاعا ً عن الدولة نفسها حتى لا تبقى معزولة عن الحقيقة بينما الجميع يتحدث، ولا أحد يسمع الناس.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض