رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

د. احمد يحي يكتب: روسيا والصين.. شراكة اضطرار وطموح يعيدان رسم العالم

بوابة الوفد الإلكترونية

 

 

هذه القراءة التحليلية تفترض أن التقارب بين موسكو وبكين لم يعد مجرد تحالف مصلحي مؤقت أو ردة فعل للضغوط الغربية، بل هو بداية إعادة تشكيل حقيقية لموازين القوى العالمية، ما جرى مؤخراً في بكين لم يكن مجرد تبادل صفقات، بل خطوات لبناء بنية بديلة تكنولوجياً ومالياً وسياسياً، تقلص قدرة الغرب على فرض قواعد اللعبة بمفرده.

روسيا هنا تبحث عن متنفس للبقاء والتكيّف، والصين تبحث عن أمن اقتصادي واستمرارية في صعودها، والنتيجة مزيج من اضطرار وطموح يفتحان آفاقاً جديدة، مع بقاء سقوف وحدود قد تعيد ترتيب هذه الشراكة لاحقاً.

 

مقدمة

​لم يعد بوسع أحد اليوم أن يتعامل مع التقارب بين موسكو وبكين على أنه مجرد زواج مصلحة مؤقت أو مناورة دبلوماسية فرضتها الضغوط الغربية، فالأمر أعمق من ذلك بكثير، نحن أمام عملية إعادة هندسة حقيقية لموازين القوى الدولية، تجلت بأوضح صورها في القمة الأخيرة التي استضافتها العاصمة الصينية، وخلف كواليس التوقيع على أكثر من عشرين اتفاقية شملت مجالات حيوية كالفضاء، والذكاء الاصطناعي، والزراعة، والتعليم، لم يكن الطرفان يتبادلان صفقات تجارية عادية، بل كانا يضعان لبنة جديدة في جدار نظام عالمي بديل، يتجاوز إرث القطبية الواحدة التي هيمنت على العالم لثلاثة عقود.

​هذه العلاقة لا تشبه في شيء التحالفات العقائدية الجامدة التي شهدناها إبان الحرب الباردة، بل هي نموذج لشراكة براغماتية مرنة للغاية، فموسكو تتحرك اليوم بدافع غريزة البقاء والتكيف الجيوسياسي، بينما تسير بكين وفق خطة تمدد هادئ ومحسوب يبحث عن الاستقرار الاقتصادي والتكنولوجي.

ورغم تباين الدوافع يلتقي الطرفان عند قاسم مشترك وضخم: إنهاء الحقبة الأمريكية وصياغة قواعد لعبة دولية جديدة لا يملك فيها الغرب حق الإملاء التلقائي.

 

أولاً: طبيعة العلاقة.. بين اضطرار موسكو ومناورة بكين

​إذا أردنا فهم المحرك الأساسي لهذه المعادلة، علينا النظر إلى ما تحتاجه روسيا وما تطمح إليه الصين.

 

من الجانب الروسي تبدو الصورة واضحة، فروسيا التي تواجه أعنف حزمة عقوبات في التاريخ الحديث، وجدت في العملاق الصيني رئة اقتصادية وسياسية تتنفس منها. لم يعد التقارب مع بكين خياراً تجميلياً لدبلوماسية الكرملين، بل تحول إلى استراتيجية بقاء حتمية لضمان تدفق النفط والغاز شرقاً بعد إغلاق الأبواب الأوروبية، ولتأمين الحصول على التكنولوجيا وأشباه الموصلات الحيوية لاستمرار قطاعاتها المدنية والعسكرية.

والأهم من ذلك نجح البلدان في إزاحة الدولار عن كاهل تعاملاتهما التجارية التي تجاوزت 240 مليار دولار، ليعتمدا الروبل واليوان كدروع مالية ضد نظام سويفت الغربية.

 

​أما الصين فحساباتها أكثر تعقيداً وهدوءاً.

بكين لا تبحث عن مغامرات غير محسوبة، بل تريد بيئة دولية مستقرة تضمن استمرار صعودها التكنولوجي والاقتصادي، تمنحها روسيا عمقاً جيوسياسياً هائلاً ومخزناً مؤمناً ومضموناً للطاقة والمعادن عبر حدود برية مشتركة، بعيداً عن الممرات البحرية المحفوفة بالمخاطر والتي تجوبها الأساطيل الأمريكية كمضيق ملاكا، ومع ذلك  يظل التنين الصيني حريصاً على ضبط إيقاع خطاه مع موسكو، فهو لا يريد تحويل هذه الشراكة إلى عبء يدفعه نحو مواجهة مفتوحة وكسر عظم مع الأسواق الأمريكية والأوروبية التي ما زال يعتمد عليها حيوياً في تصدير بضائعه.

 

ثانياً: الجيوتكنولوجيا.. معركة السيطرة على المستقبل

​الأمر الملفت في حزمة الاتفاقيات الأخيرة هو قفزها فوق الأطر التقليدية للتجارة والأمن نحو ما يمكن تسميته الجيوتكنولوجيا.

يدرك الطرفان جيداً أن قوة القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس بعدد الدبابات والرؤوس النووية فحسب، بل بالقدرة على امتلاك المعرفة وسلاسل الإمداد العكسية والذكاء الاصطناعي.

​لذلك فإن التنسيق لبناء شبكات رقمية موازية، والربط بين منظومتي الأقمار الصناعية الروسية (غلوناس) والصينية (بيدو) لخلق شبكات ملاحة مستقلة، والمضي قدماً في البنية التحتية لخط أنابيب "قوة سيبيريا 2"، كلها مؤشرات على رغبة جادة في تأسيس بنية تحتية عالمية بديلة لا تخضع للرقابة أو المعايير التي توضع في وادي السليكون بالولايات المتحدة.

 

​ثالثاً: مظلات جديدة وجنوب عالمي يترقب

​هذا التحول الشرقي لا يتحرك في فراغ ثنائي، بل يتكئ على مظلات دولية صاعدة تقودها موسكو وبكين بنجاح، وعلى رأسها مجموعتا "بريكس" و"شنغهاي للتعاون".

 

هذه المنصات لم تعد مجرد نوادٍ للنقاش، بل تحولت إلى أدوات تنفيذية لطرح بدائل حقيقية لمنظومة "بريتون وودز" المالية التي يسيطر عليها البنك وصندوق النقد الدوليان.

​في ظل هذا المشهد تقف دول "الجنوب العالمي" في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في موقع المراقب المستفيد بالدرجة الأولى، هذه الدول لا تتحرك بدافع انحياز عقائدي لروسيا أو الصين، بل تقودها براغماتية سياسية بحتة، ترى قوى إقليمية عديدة في هذا المحور فرصة تاريخية لتوسيع هامش مناورتها، والتخلص من شروط الغرب المجحفة والمربوطة غالباً بملفات سياسية.

إنها تبحث عن استثمارات غير مشروطة وعن تكنولوجيا صينية ونفط روسي بأسعار تفضيلية، دون أن تضطر إلى الاصطفاف الصِفري في معسكر ضد آخر، لعلمها أن أي استقطاب حاد قد يعيد إنتاج علاقات التبعية القديمة ولكن بوجوه جديدة.

 

رابعاً: السقوف الصامتة والخطوط الحمراء

​رغم كل هذه المظاهر التي توحي بولادة محور فولاذي، إلا أن القراءة المنصفة تقتضي التوقف عند الخطوط الحمراء والتنافس الصامت الذي يدور في الغرف المغلقة.

 

هناك تفاوت هيكلي واقتصادي كبير لا يمكن تجاهله، فاقتصاد الصين يعادل تسعة أضعاف الاقتصاد الروسي تقريباً، وهو ما يثير قلقاً صامتاً لدى النخبة القومية الروسية من خطر التحول الطويل الأجل إلى شريك أصغر أو تابع اقتصادي يبيع طاقته بالأسعار والشروط التي تمليها بكين.

​من جهة أخرى تشكل منطقة آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وهي الفناء الخلفي التاريخي لروسيا القيصرية والسوفيتية ساحة احتكاك بارد، حيث تتغلغل الاستثمارات الصينية الكثيفة عبر مبادرة "الحزام والطريق" في عمق جمهوريات كقازاقستان وأوزبكستان، مما يتطلب دبلوماسية فائقة الدقة من الطرفين لمنع تحول هذا التنافس الاقتصادي إلى صدام جيوسياسي معلن.

 

خلاصة

​يمكن القول باختصار إن الشراكة الروسية الصينية اليوم قد تجاوزت خط الرجعة وخرجت من حيز الخطاب السياسي الاستهلاكي لتستقر على سكة البناء الهيكلي والمؤسسي المتشعب.

فروسيا بحاجة إلى البقاء، والصين بحاجة إلى التمدد المستقر، وكلاهما يسير في طريق واحد يفضي إلى تفكيك القواعد الغربية الموحدة التي سادت العالم لعقود.

​قد لا يكون هذا التحالف كاملاً أو خالياً من الشروخ الصامتة، لكن تراكم هذه الاتفاقيات وتكاملها يضعان المجتمع الدولي، دون شك أمام توازنات جديدة وواقع جيوسياسي مختلف، كُتبت فصوله الأولى في بكين ولن تُمحى بسهولة.