«الثقافة» علي الهامش في الموازنة العامة
لغتنا العامية «طَفَشتُ».. اختصار التعب
حين أسمع كلمة «طفشت»، لا تبدو لى مجرد لفظة عامية عابرة، بل حالة شعورية كاملة اختُزلت فى صوت قصير حاد، كأن اللغة قررت أن تختصر رحلة الحياة الشاقة فى كلمة واحد. هذه الكلمة فى الاستعمال المصرى الدارج تدور حول معنى الضجر الشديد الذى يدفع الإنسان إلى الرغبة فى الهروب، لكنها فى عمقها الإحساسى تتجاوز ذلك إلى لحظة امتلاء داخلى لا يجد لها صاحبه مخرجًا إلا بالقول: «طفشتُ».
من الناحية اللغوية، يُرجح أن الكلمة مرتبطة بالفعل الفصيح «طَفِشَ» أو «طَفَشَ» فى بعض الاستعمالات القديمة فى العربية، وهو فعل يُستخدم للدلالة على النفور أو الضيق الشديد، وقد ورد فى بعض المعاجم بمعنى القلق والانزعاج الذى يدفع إلى ترك المكان. ومع تطور الاستعمال العامى، اكتسبت الكلمة خفة أكبر، وتحولت من معنى قريب من الاضطراب النفسى إلى تعبير يومى سريع عن حالة ملل أو إرهاق أو ضيق من ظرف ما، حين يقولها الإنسان، فهو لا يعلن تمردًا، بل يطلب مساحة آمنة فى البعد.
فى ظل تسارع غير مسبوق للتحولات العالمية والفكرية، كان يجب أن تظهر الثقافة لدينا أكثر من مجرد نشاط ترفيهى أو واجهة أنيقة لوجه الدولة، وتعامل على أنها أهم الأدوات الأصيلة التى تصنع معرفة الفرد، فتحفظ للمجتمع ذاكرته، وتمنح الأجيال القدرة على التمييز بين الحقيقة والضجيج.
ومع مناقشات مشروع الموازنة العامة لعام 2026/2027، عادت الأسئلة المرتبطة بالثقافة إلى السطح من جديد كعادتها فى كل مرة، لا بصيغة الاتهام أو المزايدة، بل بصيغة المراجعة فى موقعها داخل أولويات دولة تتحمل أعباء تنموية واقتصادية معقدة لا نغفلها، واستراتيجية مالية متشابكة يتحملها البلد فى مرحلة دقيقة من تاريخه، تمتد من البنية التحتية إلى الصحة والتعليم والدعم والطاقة والأمن القومى. وفى هذا السياق، يصبح السؤال الأكثر اتزاناً، كيف تدار الثقافة داخل هذه المعادلة الصعبة؟ وما المساحة التى يمكن أن تتحرك فيها داخل هذا الحيز الواسع من الالتزامات؟
الواقع أن حصة وزارة الثقافة من أموال الدولة، يجب ألا تتحول إلى ساحة للإدانة أو التقليل من الجهود المبذولة، لكن الأرقام وحدها هى التى تدفعنا لأن نفتح أبواب النقاش لإشكالية مكانة الثقافة داخل أولويات الجمهورية الجديدة، وموقعها داخل هذه الخريطة المعقدة من الإنفاق العام.
التقديرات المتداولة عن ميزانية وزارة الثقافة فى عام 2026 تشير إلى أنها تقترب من ثلاثة مليارات جنيه، فى وقت تلامس فيه الموازنة العامة للدولة نحو 4.6 تريليون جنيه، وبحساب بسيط، نصيب الثقافة من الموازنة العامة لا يتجاوز 0.06% تقريباً من إجمالى الإنفاق العام، أى أقل من عُشر الواحد فى المائة. وهى نسبة تكشف حجم التباين بين القطاعات المختلفة داخل الموازنة. هذا الرقم يظهر محدوداً عند النظر إليه منفصلاً، ودلالته تزيد محدوديتها بشكل مقلق حين يترجم إلى نصيب الفرد من هذا الإنفاق. ويكفى أن نعلم أنه مع اقتراب عدد السكان من 120 مليون مواطن، فإن نصيب الفرد من ميزانية الثقافة لن يتجاوز 25 جنيهاً سنوياً، أى ما يقارب جنيهين شهرياً فقط!!
أعرف، إنه رقم هزيل فى ظاهره كما فى باطنه، لكنه يمتلك الحق لطرق الأبواب، للكشف عن العلاقة بين حجم الإنفاق الثقافى والمعرفى وإمكانات بناء الإنسان فى بلد يعيش أغلب مواطنيه تحت خط الثقافة. كما أنه لا يمكننا تجاهل التفاصيل الأكثر قرباً من الواقع الموتر، وكشفتها مناقشات البرلمان الأخيرة حول الموازنة الثقافية من فجوات واضحة بين حجم الاحتياجات الفعلية والإمكانات المتاحة.
فبحسب مشروع موازنة العام المالى 2025/2026، بلغت موازنة وزارة الثقافة نحو 3.63 مليار جنيه، وهو رقم يبدو محدوداً إذا قورن بحجم الأدوار المنتظرة من المؤسسة الثقافية الرسمية فى بلد كمصر. وتتضح المفارقة بصورة أكبر عند النظر إلى الهيئة العامة لقصور الثقافة، التى تمتد وحدها إلى ما يقرب من 600 موقع ثقافى موزع على مختلف المحافظات، من المدن الكبرى إلى القرى والمناطق الحدودية، بما يجعلها من أوسع الشبكات الثقافية الحكومية انتشاراً فى الإشكال الثقافى الحالى.
لكن غير المرضى أن هذا الانتشار الجغرافى الواسع لا ينعكس أبداً فى صورة حضور ثقافى فعال أو تأثير مجتمعى متوازن، إذ تعانى نسبة واسعة من تلك المواقع من ضعف التشغيل، أو التوقف الجزئى، أو غياب الأنشطة المنتظمة، فضلاً عن نقص الموارد البشرية المؤهلة، وتهالك بعض البنى التحتية، وغياب خطط التطوير المستدام. وفى كثير من الأحيان، تتحول بعض قصور الثقافة إلى مبانٍ قائمة بلا روح، عاجزة عن أداء دورها التنويرى المفترض فى اكتشاف المواهب، ورعاية الفنون، وتعزيز الوعى العام، وخلق مساحات حقيقية للتفاعل الثقافى خارج المركزية التقليدية للعاصمة.
وتزداد حدة هذه الإشكالية إذا ما أخذ فى الاعتبار أن هذه الكينونات الثقافية ليس المنوط بها تأدية مهام ترفيهية أو نخبوية فحسب، بل عليها أن تكون جزءاً من منظومة الأمن الفكرى والاجتماعى، وأداة أولى فى مواجهة الانغلاق والتدهور المعرفى. ومن ثم محدودية الإنفاق الثقافى لا تنعكس فقط على عدد الفعاليات أو جودة الخدمات، وإنما تمتد آثارها إلى عدم التمكن من بناء وعى حديث وفعال، من خلال إعادة دمج الثقافة فى الحياة اليومية للمواطن كما يجب، خاصة فى المناطق الأكثر احتياجاً، والتى تمثل فيها قصور الثقافة المنفذ الثقافى شبه الوحيد. هل تعى الدولة معنى أن تشير البيانات إلى وجود نحو 70 منشأة ثقافية مغلقة أو شبه مغلقة؟ إلى جانب ما يقرب من 120 منشأة تعمل دون إدارات مستقرة أو برامج منتظمة، وهو ما يعكس تحدياً مؤسسياً مهماً يتجاوز مسألة التمويل إلى إشكاليات التشغيل والتخطيط والمتابعة.
وإذا ما عدنا خطوة إلى الوراء، وتأملنا ملامح ميزانية العام الماضى، بدا واضحاً أن الأزمة لم تكن حبيسة التشغيل الإدارى داخل البنية الثقافية الرسمية فقط، بل تجاوزت ذلك إلى جوهر الفعل الثقافى ذاته، وإلى قدرة المؤسسات على إنتاج حضور حقيقى يليق بتاريخ الثقافة المصرية ومخزونها المعرفى. ففى موازنة العام المالى 2024/2025، لم تتجاوز مخصصات الفعاليات الثقافية نحو 87 مليون جنيه، وهو رقم بدا محدوداً بصورة لافتة إذا ما قورن بحجم الطموحات والخطط المعلنة.
وقد انعكس هذا التواضع المالى بصورة مباشرة على الأداء الوظيفى للمؤسسات الثقافية طوال العام، حيث ظهرت مظاهر الارتباك والقصور فى عدد من الفعاليات الكبرى. ولم يكن ما شهده معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته الأخيرة بعيداً عن تلك الصورة، إذ برزت شكاوى تتعلق بمستوى التنظيم والخدمات والأنشطة المصاحبة، فى مشهد أثار تساؤلات واسعة حول قدرة الحقيبة الثقافية على مواكبة التحولات الحديثة فى إدارة الفعاليات وصناعة المحتوى الثقافى الجاذب للجمهور. كما امتدت الملاحظات إلى المشاركة المصرية فى بعض المعارض الدولية، حيث بدا حضور الأجنحة المصرية أقل من المطموح فيه، سواء على مستوى المحتوى أو القدرة على تقديم صورة تعكس العمق الحضارى والثقافى للدولة المصرية، ولا نغفل ما حدث فى مؤتمر الأدباء الأخير الذى شهدته محافظة العريش وما وصمه من قصور.
وخلال مناقشات لجنة الإعلام والثقافة والآثار بمجلس النواب، تكشفت أرقام أخرى عمقت الإحساس بحجم الفجوة، فقد أشارت الدكتورة ثريا البدوى ئيس لجنة الثقافة والإعلام بالمجلس إلى أن مخصصات صيانة قصور الثقافة بلغت نحو 33 مليون جنيه، مع المطالبة برفعها إلى 38 مليون جنيه، معتبرة أن هذه الأرقام لا تتناسب مع حجم الانتشار الجغرافى الكبير لتلك المواقع.
ومن جانبه، أوضح هشام عطوة، رئيس هيئة قصور الثقافة، أن الهيئة طلبت نحو 250 مليون جنيه لأعمال الصيانة، لكنها لم تحصل سوى على 5 ملايين جنيه فقط!! وهذه الأرقام دالة على إشكالية أعمق تتعلق بما يعرف بـ«العدالة الثقافية»، حيث لا تزال الفجوة قائمة بين المركز والأقاليم، إذ تستحوذ المدن الكبرى على النصيب الأكبر من الفعاليات والأنشطة، بينما تعانى محافظات أخرى خاصة الحدودى منها، من ضعف واضح فى الخدمات الثقافية المؤثرة.
كما أن محدودية التمويل انعكست بشكل مباشر على العنصر البشرى داخل المنظومة، حيث لا تتجاوز مكافآت بعض المدربين والخبراء نحو 100 جنيه، وهو ما دفع باللجنة إلى المطالبة بزيادة مخصصات البند الخاص بتهيئة العنصر البشرى من 31 مليون جنيه إلى 42 مليون جنيه لدعم جودة التنفيذ.
ويرى مختصون أن النظر إلى الثقافة باعتبارها بنداً استهلاكياً لا استثمارياً لا يزال أحد أبرز التحديات، رغم التجارب الدولية التى أثبتت أن الصناعات الثقافية يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة اقتصادية ورافد مهم من روافد القوة الناعمة.
كما أشار مهتمون بالشأن الثقافى أن إنقاذ الثقافة المصرية لم يعد مرتبطاً فقط بزيادة الأرقام فى الموازنة، بل بوجود إرادة سياسية تعتبر الثقافة جزءاً من الأمن القومى، وأداة لبناء الوعى ومواجهة التطرف والتفكك الفردى والاجتماعى، لا مجرد قطاع يمكن تقليص نفقاته كلما ضاقت الموازنات.
وربما لا تحتاج الثقافة دائماً إلى أرقام هائلة بقدر احتياجها إلى رؤية مستمرة تؤمن بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الطرق والمدن. فالفارق بين مجتمع يقرأ وآخر ينجرف خلف الجهل ليس فارق رفاهية، بل فارق وعى وقدرة على البقاء والتقدم. نحن لا ننكر اتجاه الخطاب الثقافى الرسمى مؤخراً إلى التركيز على مفاهيم القوة الناعمة، والهوية المصرية، والعدالة الثقافية، والتحول الرقمى، وإعادة تقديم الثقافة المصرية داخلياً وخارجياً. وهى أهداف تحمل طموحاً واضحاً لإعادة الاعتبار للدور الثقافى المصرى، حتى إن كانت الإمكانات المالية لا تزال محدودة مقارنة بحجم الحلم نفسه. لكن هل هذا وحده يكفى!!
الإنسان الواعى هو الثروة الحقيقية التى لا تتآكل مع الزمن، وهو الحائط الأخير الذى تستند إليه الدول فى مواجهة التطرف والفوضى والانهيار الأخلاقى. لذلك الحديث عن الثقافة يجب ألا يفهم باعتباره ترفاً فى زمن الأزمات، بل باعتباره محاولة هادئة للحفاظ على عقل المجتمع وروحه، مهما كانت التحديات، ومهما ضاقت الأرقام داخل دفاتر الموازنة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض