رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

من أسطورة المُخلِّص إلى لعنة الدولة المؤجَّلة
في كل مرةٍ تتعثر فيها الأمم، يظهر رجلٌ من الحديد.
يأتي محمولًا على صهيل الخيل، أو هدير الجيوش، أو نشيد الخلاص.
يُقدَّم للناس بوصفه المنقذ، ويُروى تاريخه لاحقًا بوصفه البطل، ثم تُمحى من السردية الرسمية كل التفاصيل التي لا تناسب الأسطورة.
هكذا سار تاريخ هذه المنطقة، لا بوصفه تطورًا طبيعيًا للدولة، بل كسلسلةٍ متعاقبة من الانقلابات المقنَّعة باسم النجاة، حيث تختلط لحظة الخطر بلحظة الحكم، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، والطوارئ إلى نظام.
منذ الإمبراطوريات الأولى، كان الحكم في جوهره غلبةً لا عقدًا، وقوةً لا رضًا. هرقل، الذي طال به المقام حتى أكل عليه الدهر وشرب، لم يكن سوى نموذج مبكر للحاكم الذي يختلط عنده المقدّس بالسلطة، والعقيدة بالرغبة، فتصير الدولة عبئًا على أهلها. وفي مصر، لم يكن الاضطهاد البيزنطي سوى تمهيد لقدوم «مخلِّص» آخر، هذه المرة على رأس جيش صغير، يحمل راية جديدة، ويَعِد الناس بعدالةٍ مؤجَّلة.
دخل عمرو بن العاص مصر قائدًا، لا فيلسوفًا ولا مشرِّعًا. فتحها بالسيف أو بالتسليم، لا فرق في النتيجة، ثم اكتشف —ككثير من العسكريين— أن السلطة لا تُغادر صاحبها بسهولة. فعاد إليها حين سنحت الفرصة، لأن من يتذوّق الحكم نادرًا ما يقبل بالانسحاب إلى الظل.
تبدّلت الدول، وتغيّرت الرايات، لكن القاعدة ظلّت واحدة:
العسكري يأتي عند الانهيار… ويبقى بعد النجاة.
جاء الفاطميون بجيشٍ جرّار، واستقرت القاهرة على وقع أقدام الجنود. وحين تحوّلت الدولة من حكم السيف إلى إدارة القصر، بدأ الصراع من الداخل. فالعسكر لا يطيقون الفراغ، ولا يؤمنون بالحياد، ومن يحاول لعب الدور ذاته دون شرعية القوة، يُقصى أو يُقتل.
ثم جاء صلاح الدين.
الرجل الذي تحوّل إلى أيقونة.
القائد الذي جمع بين وزارتين وسيفين وشرعيتين.
استعاد القدس باتفاقٍ لا بمعجزة، ثم لم يغادر المسرح. وزّع الحكم، وأسس سلالة، وترك من بعده ورثةً لم يعرفوا من القدس إلا اسمها، فأعادوها بلا حرب، وبلا حرج. لم تسقط الدولة الأيوبية فجأة، بل تآكلت من الداخل، حتى جاء الخطر الأكبر: المغول.
نهض العسكر مجددًا، وانتصروا، ثم فعلوا ما يجيدونه دومًا: اقتتلوا على الغنيمة. قُتل قطز، وتربّع بيبرس، وتكرّست القاعدة الأخطر في تاريخنا السياسي، القاعدة التي لم تكن حادثة عابرة بل تحولت إلى عقيدة حكم: الحكم لمن غلب.
منذ تلك اللحظة، لم تعد الدولة مشروعًا وطنيًا، بل جائزة.
تعاقبت الإمبراطوريات، ودخل العثمانيون بالسيف، وخرجوا بالوهن، وجاء الفرنسيون وذهبوا، وبقي السؤال ذاته معلقًا فوق رأس المجتمع: من يحكم، وكيف، ولماذا؟
وكالعادة، لم يُبحث عن دولة، بل عن رجل.
فكان محمد علي، العسكري الذي بنى دولة على مقاس أسرته، لا على مقاس المجتمع. فاستمر الحكم وراثةً، حتى جاء عسكر آخرون، هذه المرة باسم الشعب، وبشعارات التحرير والعدالة ومقاومة الاستعمار. قالوا إنهم سيغادرون حين تستقر البلاد، لكن الاستقرار صار ذريعة دائمة للبقاء.
لم يغادر أحد.
مات بعضهم، اغتيل بعضهم، وأُسقط بعضهم، لكن الكرسي ظل محجوزًا للعسكري، كأن التاريخ لا يعترف بغيره، وكأن السياسة جريمة لا يُسمح للمدنيين بممارستها.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية:
ليست في الجندي بوصفه فردًا، ولا في الجيش بوصفه مؤسسة وطنية، بل في العقل السياسي الذي حوّل القوة المؤقتة إلى حق دائم، والسيف إلى مصدر وحيد للشرعية، والدولة إلى غنيمة تُورَّث أو تُنتزع.
حين تُختزل السياسة في النجاة، وتُختصر الدولة في «المخلِّص»، تصبح كل أزمة مبررًا جديدًا لتعليق الدستور، وكل خطر ذريعة لإطالة الحكم، وكل وعد بالرحيل كذبة مؤجلة إلى أجل غير مسمّى. أخطر ما واجهته هذه البلاد عبر تاريخها لم يكن الغزاة ولا المؤامرات ولا الهزائم، بل ترسيخ فكرة أن الحكم لا يُنتزع إلا بالقوة، ولا يُدار إلا بالعسكر، ولا يُغادَر إلا بالموت أو الفوضى.
الدولة لا تُبنى على الطوارئ، ولا تُدار بالعقليات العسكرية، ولا تُنقَذ بتعليق المستقبل. الدولة تُبنى حين يعود الجيش إلى ثكناته، والسياسة إلى أهلها، والسلطة إلى عقد واضح بين الحاكم والمحكوم.
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل التاريخ يعيد نفسه،
بأسماء مختلفة،
وشعارات جديدة،
والنتيجة ذاتها.!!

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،،!!