حكم مشاورة الزوجة ومعنى قوامة الرجال على النساء
من المقرر شرعًا أن من حقِّ المرأة أن تُستَشار وتُشَارك برأيها فيما يتعلَّق بأمور الحياة الزوجية؛ اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولنا فيه الأسوة والقدوة الحسنة.
مشاورة الزوجة ومعنى قوامة الرجال على النساء:
والمراد من قوامة الرجل على المرأة: قيامه على شؤونها ورعايتها والمحافظة عليها وتدبير أمورها، وليس المراد منها تَسلُّطَه عليها وقَهْرَه لها، واستدلال زوجكِ بما نسبه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو بما ذكره من "مقولات شائعة" غير صحيح، وهو مخالف لمسلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الكرام في المشاورة، سواء مع المرأة عمومًا أو مع الزوجات.
معنى الشورى:
الشورى في اللغة: مأخوذة من المشاورة والاستشارة لمعرفة المصلحة.
جاء في "الكليات" (ص: 541، ط. مؤسسة الرسالة ): [الشورى: مصدر كالفتيا، بِمَعْنى التشاور] اهـ.
وتشاور القوم واشتوروا والشورى اسم منه، وأمرهم شورى بينهم مثل قولهم أمرهم فوضى بينهم؛ أي: لا يستأثر أحد بشيء دون غيره] اهـ.
والشورى في الاستعمال لا تبعد عن معناها اللغوي الذي يفيد أخذ الرأي والنصيحة من أهلها.
ذكر الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (2/ 390، ط. دار ابن الجوزي) -عندما لا يجد المفتي نصًّا في المسألة-: [ثم يذكر المسألة لمَن بحضرته ممَّن يصلح لذلك من أهل العلم ويشاورهم في الجواب، ويسأل كل واحد منهم عما عنده، فإنَّ في ذلك بركة واقتداء بالسلف الصالح؛ وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]، وشاور النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مواضع وأشياء وأمر بالمشاورة، وكانت الصحابة تشاور في الفتاوى والأحكام] اهـ.
والشورى حقٌّ أصيلٌ منحته الشريعة الإسلامية الغرَّاء لعموم المسلمين -ممَّن كان أهلًا لها، كلٌّ في مجاله-، رجالًا ونساءً، أزواجًا وزوجاتٍ؛ وهذا الحق مشروعيته ثابتة بالكتاب والسنة؛ استنادًا لقول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].
ومع أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان أكمل الناس وأرجحهم عقلًا، إلَّا أنَّ الله تعالى أمره بطلب المشورة؛ لتصير سنة في أمته؛ قال الإمام فخر الدين الرازي في "مفاتيح الغيب" (9/ 409، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال الحسن وسفيان بن عيينة: إنَّما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة، ويصير سنة في أمته] اهـ.
كما أنَّ حق الشورى مقرَّرٌ أيضًا لكافة المسلمين بقول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].
قال الإمام الواحدي في "الوسيط" (4/ 57، ط. دار الكتب العلمية): [المعنى: أنَّهم يتشاورون فيما يبدو لهم، ولا يعجلون في الأمر] اهـ.
وقد ورد في الهدي النبوي الشريف ما يقرِّر ويثبت ذلك الحق، وذلك فيما أخرجه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أَّنَّه قال: "ما رأيت أحدًا قط كان أكثر مشورةً لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".
وعن الحكمة التي من أجلها شرعت الشورى: أنَّ القدرة الإلهية اقتضت أن تخص كل مخلوق بمزية لا توجد في مخلوق آخر؛ وإلى هذا المعنى أشار الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي في "الفتوحات المكية" (2/ 423، دار الكتب العربية الكبرى)، فقال: [والسبب الموجب للمشورة: كون الحق له وجه خاص في كل موجود، لا يكون لغير ذلك الموجود؛ فقد يُلقى إليه الحق سبحانه في أمرٍ ما، ما لا يُلقيه لمَن هو أعلى منه طبقة.. ومن ذلك الوجه يُفتقر كل موجود إليه] اهـ، وفي هذا إشارة لما جعله الخالق سبحانه في خلقه من اختلاف بين الأجناس والأنواع موجب للتكامل في أداء الوظائف ملزم بالتبادل البيني للمعارف والخبرات.
ومن الأمور التي منحها الشرع الحنيف للمرأة وأحاطها بالحماية، وكلَّلها بالرعاية: الرجوع إليها بالتشاور، والاستبصار برأيها السديد؛ فقد كانت المرأة تستشارُ ويُرْجعُ إلى رأيها في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ أشار إلى ذلك ابن قتيبة الدينوري في "عيون الأخبار" (1/ 82، ط. دار الكتب العلمية)، فقال: [عن الحسن قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستشير حتى المرأة، فتشير عليه بالشيء؛ فيأخذ به] اهـ.
وقد ورد في الشريعة الغراء جملة من الشواهد تشير إلى رجاحة ووفور عقل المرأة، وسداد رأيها ومشورتها، لا سيما في الأمور الجِسَام والقضايا المصيرية؛ فمن ذلك المشورة الحكيمة لأم المؤمنين السيدة أم سلمة رضي الله تعالى عنها في صُلح الحديبية، والتي نفع الله عزَّ وجلَّ بها الأمة الإسلامية ممثلة في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ حيث أنجاهم من حدثٍ جلل وأمرٍ عصيب، وذلك عندما التبس الأمر عليهم، فانتظروا في أمر النحر والحلق حين أمرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بذلك؛ فأشارت عليه السيدة أم سلمة رضي الله تعالى عنها بقولها: «يَا نَبِيَّ اللهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا» أخرجه البخاري.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض