رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

لمواجهة زحف معدلات «موضة القيصرية» 

الولادة الطبيعية مجانًا«أول مرة»

بوابة الوفد الإلكترونية

فى تحرك يحمل رسائل صحية واجتماعية تتجاوز فكرة «الخدمة المجانية»، بدأت الدولة المصرية خطوة جديدة لإعادة رسم خريطة الولادة فى البلاد، بعدما وافق الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، على إجراء الولادة الطبيعية الأولى مجانًا داخل مستشفيات القطاع العلاجى على مستوى الجمهورية.
القرار يأتى فى توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد معدلات الولادة القيصرية إلى مستويات وصفت بأنها «مقلقة عالميًا»، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل صحة الأمهات، وتكاليف الإنجاب، وحدود التدخل الطبى غير الضرورى.
لم يعد ملف الولادة فى مصر مجرد قضية طبية، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى تحدٍ صحى واقتصادى واجتماعى، فى ظل الارتفاع اللافت فى معدلات الولادة القيصرية، التى تجاوزت وفق تقديرات وتقارير رسمية أكثر من 60% من إجمالى الولادات، وهى أرقام تضع مصر بين أعلى دول العالم فى إجراء القيصريات، بعيدًا عن المعدلات التى توصى بها منظمة الصحة العالمية.
ومن هنا، يبدو قرار إتاحة الولادة الطبيعية مجانًا كجزء من محاولة أوسع لإعادة التوازن داخل المنظومة الصحية، وتشجيع العودة إلى المسار الطبى الطبيعى للحمل والإنجاب، بدلًا من التحول المتزايد نحو الجراحات كخيار أول.
ويرى متخصصون أن الدولة لا تستهدف فقط تخفيف العبء المالى عن الأسرة المصرية، بل تسعى أيضًا إلى مواجهة ثقافة ترسخت تدريجيًا داخل المجتمع، تعتبر الولادة القيصرية «الأكثر راحة» أو «الأكثر أمانًا»، رغم أن كثيرًا من الحالات لا تحتاج تدخلًا جراحيًا من الأساس.
وتؤكد الدكتورة عبلة الألفى أن الولادة الطبيعية، فى الحالات غير المعقدة، تظل الخيار الأفضل صحيًا للأم والطفل، لما توفره من تقليل لمضاعفات النزيف والالتهابات ومشكلات التخدير، فضلًا عن دورها فى تحسين تعافى الأم وتعزيز المناعة الطبيعية للطفل منذ اللحظات الأولى بعد الولادة.
وتشير إلى أن تضخم معدلات «القيصرية» فى مصر لا يرتبط دائمًا بأسباب طبية واضحة، بل يرتبط أحيانًا بعوامل تنظيمية أو اعتبارات تتعلق بسرعة الإجراءات أو مخاوف بعض السيدات من ألم الولادة الطبيعية، وهو ما يتطلب تصحيحًا مجتمعيًا واسعًا، وليس مجرد قرار إدارى.
ويراهن كثير من المتابعين على أن مجانية الولادة الطبيعية قد تدفع شريحة كبيرة من الأسر للعودة إلى المستشفيات الحكومية، خصوصًا مع الارتفاع الكبير فى أسعار خدمات الولادة داخل القطاع الخاص، بما يحمله ذلك من تخفيف للأعباء الاقتصادية على ملايين الأسر.
لكن مراقبين يؤكدون أن نجاح الخطوة لن يتحقق بالقرار وحده، بل يحتاج إلى تطوير حقيقى فى بيئة المستشفيات الحكومية، ورفع كفاءة الفرق الطبية والتمريضية، وتوفير غرف ولادة مجهزة وآمنة، إلى جانب إطلاق حملات توعية قادرة على تغيير الصورة الذهنية السائدة حول الولادة الطبيعية.
ويعتقد خبراء أن مصر تقف الآن أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع الدولة كسر دائرة «القيصرية السهلة» وإعادة الاعتبار للولادة الطبيعية باعتبارها الخيار الطبى الأكثر أمانًا فى أغلب الحالات؟
فالمعركة، بحسب مختصين، ليست فقط مع الأرقام، بل مع ثقافة ممتدة، اعتادت التعامل مع الجراحة باعتبارها المسار الأسرع والأقل ألمًا، رغم ما قد تحمله من مضاعفات صحية وتكاليف إضافية على الأم والنظام الصحى معًا.
قرار إتاحة الولادة الطبيعية مجانًا قد يبدو فى ظاهره إجراءً خدميًا، لكنه فى جوهره محاولة لإعادة تصحيح مسار كامل داخل منظومة الإنجاب فى مصر. وبين الرغبة فى خفض معدلات «القيصرية»، وتحسين صحة الأم والطفل، وتخفيف الأعباء الاقتصادية، يبقى التحدى الأكبر هو تحويل القرار من مبادرة على الورق إلى تغيير حقيقى فى ثقافة الولادة داخل المجتمع المصرى.