في هذا البلد، قد تُستنفَر الكاميرات من أجل قط، بينما يمرّ الجوعى بلا أسماء، وتتعارك القطط الأخرى في العتمة كأنها لا تنتمي إلى المشهد. نحن نعيش زمنًا غريبًا، لا يغيب فيه شيء تمامًا إلا ليظهر مضاعفًا في صورةٍ أخرى. زمنٌ غابت فيه القطط، وليس أي قطط، بل القطط المحظوظة، تلك التي وُلدت داخل البيوت، وتربّت على الأرائك الوثيرة، وتعلّمت مبكرًا الفرق بين علبة التونة الأصلية والمستوردة، وبين اللبن الخالي من اللاكتوز وذلك الذي يضر بالمعدة الأرستقراطية.
في هذا الزمن، تتدلّى أوعية الطعام من الشرفات، وتُفتح العيادات البيطرية على مدار الساعة، وتُكتب وصايا عاطفية لقطٍ لم يتجاوز عامه الثالث، بينما في الجهة الأخرى من المشهد—حيث الظل والبرد ومقالب القمامة—تتقاتل قطط أخرى على بقايا الحياة نفسها. قطط الشوارع لا تعرف معنى «البيت»، ولا تحفظ أسماءها، ولا تُصوَّر وهي نائمة بسلام. تعرف فقط العراك، والنبش، والبحث الليلي الطويل عن دفءٍ مؤقت أو وجبة غير مسمومة.
لكن المفارقة ليست في القطط وحدها، المفارقة في البشر الذين صاروا قططًا. فمنذ بدايات الانفتاح الاقتصادي بعد حرب أكتوبر، ظهر نوع جديد من الكائنات: القطط السِّمان. كائنات خرجت فجأة من رحم الفهلوة، تمددت على الاقتصاد، شربت اللبن قبل أن يغلي، وأكلت الجبنة قبل أن تُقسَّم. قطط لا تعرف الشارع، ولا تمشي فيه، لكنها تتحكم في مساراته.
واليوم، ومع شبكات التواصل الاجتماعي، صارت المفارقة أكثر فجاجة. إعلانات عن اختفاء قط، صور عالية الدقة، مواصفات دقيقة: اللون، والطول، والمزاج، وحتى الصدمة النفسية المحتملة. ثم يبدأ التحقيق: تتبّع بالكاميرات، تحليل للحركة، استدعاء لشهود العيان، وتفعيل لحالة طوارئ عاطفية.
وفي إحدى الأمسيات، جلسة عادية بين أصدقاء في صيدلية، اقتحمت سيدة المكان كما لو أن جريمة كونية قد وقعت. طلبت فتح الكاميرات فورًا. انزعجنا جميعًا: خير؟ ماذا حدث؟ قالت وهي تلهث: القط… نبحث عنه ولم نعثر عليه. في الخارج، وعلى ناصية الشارع نفسها، كانت قطط أخرى تتعارك بعنف على مقلب قمامة، عراكًا وجوديًا، بلا شهود، بلا تعاطف، بلا كاميرات.
منتصف الليل، حالة من الهرج والمرج، جولات بحث، نداءات باسم القط، توتر يشبه البحث عن طفل ضائع في حرب. ثم، وفي لحظة درامية تستحق موسيقى تصويرية، صرخت الأم في أولادها: وجدناه! أين؟ فوق فرن العيش.
القط لم يكن ضائعًا، كان يعرف جيدًا أين يقف. فوق فرن العيش، حيث الدفء مضمون، وحيث الخبز أقرب من الجميع. أما تحت الفرن، فلا كاميرات، ولا نداءات، ولا بحث جماعي، بل صراع مفتوح على ما تبقّى من فتات. هكذا لا تُقاس الرحمة بكونها موجودة، بل لمن تُمنَح. وفي زمن القطط السِّمان، لا يضيع القط، بل يضيع الميزان.!!
كاتب وباحث في الشؤون الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،!!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض