منذ سنوات طويلة، تُطرح عبارة "تطوير قصور الثقافة" كعنوان عريض يتكرر مع كل وزير جديد يتولى حقيبة وزارة الثقافة العتيقة، وكأن المشكلة الأساسية في هذا الكيان العريق تكمن في بنيته أو رسالته. والحقيقة أن هذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية، فإنه يغفل جوهر الأزمة ويبتعد عن تشخيصها الدقيق.
قصور الثقافة هي بالفعل أكثر الهيئات انتشارًا على مستوى الجمهورية، والأقرب إلى الناس في المحافظات والمراكز والقرى والنجوع. وهي أيضًا الأكثر احتكاكًا بالمواهب الحقيقية والبسيطة والنماذج كثيرة، وهي الأقدر على تحقيق العدالة الثقافية. غير أني أرى أن هذا الانتشار الواسع لا يُترجم دائمًا إلى تأثير فاعل يوازي حجمه الحقيقي، ليس لخلل في الفكرة، بل لنقص في أدوات التمكين.
قصور الثقافة لا تحتاج إلى "إعادة اختراع" بل إلى إعادة اعتبار،
لا تحتاج إلى خطط تطوير شكلية أو تغيير مسميات على الورق فقط، بقدر ما تحتاج إلى دعم حقيقي ودائم. تحتاج إلى إتاحة الفرصة للكوادر المؤهلة التي يتم تدريبها باستمرار، فبها الكثير من حملة الماجستير والدكتوراه، لا إلى موظفين محاصرين بالروتين. تحتاج إلى ميزانيات مرنة تتيح تنفيذ الأنشطة بفاعلية، لا بنود جامدة تُقيد الحركة. تحتاج إلى استقلال نسبي في اتخاذ القرار، لا مركزية مفرطة تُعطل المبادرات.
والأهم من ذلك، هو الثقة في العاملين بها، وفي قدرتهم على إدارة الفعاليات الثقافية في مواقعهم، والثقة في الجمهور الذي يثبت دائمًا تعطشه للفن والمعرفة حينما تُقدَّم له بشكل لائق وجذاب.
إن الحديث عن التطوير دون معالجة مشكلات التمويل، والبيروقراطية، وضعف الحوافز، يشبه تجميل واجهة مبنى قديم دون ترميم أساساته، فالمسألة ليست في الشكل بل في القدرة على الفعل والإبداع والابتكار.
لذا أتمنى من وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي، والمخرج هشام عطوة، رئيس الهيئة، إتاحة الفرصة لأبناء قصور الثقافة ودعم كوادرها في الإدارات المختلفة، فالهيىٔة تمتلك البنية، والتاريخ، والانتشار. ما ينقصها هو التمكين الحقيقي، والإدارة المرنة، والإرادة التي ترى فيها شريكًا أساسيًا في بناء الوعي، لا مجرد قطاع خدمي تقليدي.
حينها فقط، لن نحتاج للحديث عن تطوير قصور الثقافة، لأنها ببساطة ستتطور من داخلها وبأيدي أبنائها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
