في الوقت الذي تمضي فيه الدولة المصرية بخطى متسارعة نحو ضبط منظومة العمران ومعالجة ملف مخالفات البناء الممتد لسنوات طويلة، يظل قانون التصالح الجديد رقم 187 لسنة 2023 واحدًا من أكثر التشريعات التي أثارت نقاشًا واسعًا بين المواطنين.
وهذا الجدل لا يتعلق فقط بالإجراءات أو الرسوم، بل امتد ليشمل طبيعة المستندات النهائية التي تمنح للمواطن بعد تقنين وضع العقار، خاصة مع استبدال «نموذج 10» التقليدي بـ«نموذج 8» كوثيقة ختامية معتمدة.
ورغم أن البعض تعامل مع هذا التغيير باعتباره تحولًا جوهريًا في القيمة القانونية للمستند، فإن قراءة أكثر هدوءًا وموضوعية تكشف أن الأمر أقرب إلى إعادة هيكلة إجرائية تستهدف تبسيط المنظومة وتوحيد مساراتها، وليس تغييرًا في جوهر الحقوق أو الآثار القانونية المترتبة على التصالح، فالدولة، من خلال هذا التعديل، لم تُلغِ مكتسبًا قانونيًا سابقًا، بل أعادت تنظيمه في إطار أكثر وضوحًا وانسيابية.
التأكيدات الصادرة عن وزارة التنمية المحلية جاءت لتضع حدًا لحالة الالتباس التي سادت بين المواطنين، حيث أوضحت أن «نموذج 8» و«نموذج 10» يتساويان في القوة القانونية، وأن كلاهما يؤدي الغرض نفسه وهو تثبيت الوضع القانوني للعقار وإنهاء النزاعات المرتبطة به، بل إن هذا التغيير، من الناحية الإدارية، يعكس رغبة في تقليل التعقيد البيروقراطي الذي طالما كان أحد أبرز التحديات في هذا الملف.
من زاوية عملية، فإن تحويل «نموذج 8» إلى وثيقة نهائية بدلاً من كونه مجرد إخطار مبدئي، يعكس محاولة جادة لتسريع دورة التقنين وتقليل المراحل الإجرائية، بما ينعكس إيجابًا على المواطن الذي يسعى لإنهاء وضعه القانوني بأقل قدر من التعقيدات، كما أن الاعتراف المتساوي بالنموذجين في التعامل مع المرافق العامة يبعث برسالة واضحة مفادها أن الهدف النهائي هو دمج العقارات المخالفة سابقًا في المنظومة الرسمية دون تمييز أو إرباك إداري.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن قانون التصالح لا يزال يواجه تحديات واقعية على الأرض، وعلى رأسها بعض الاشتراطات التي قد تبدو مرهقة أو غير متناسبة مع الواقع الفعلي للمواطنين، مثل ملف الجراجات أو اشتراطات تشطيب الواجهات، فضلًا عن بطء بعض الإجراءات داخل الجهات الإدارية، وهي تحديات تستدعي مراجعة مستمرة تضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الدولة وقدرة المواطن.
جوهر القضية لا يكمن في اسم النموذج أو رقمه، بل في فلسفة التطبيق ذاتها، فالقوانين، مهما بلغت دقتها، تظل بحاجة إلى مرونة في التنفيذ، وإلى رؤية إدارية تستوعب اختلاف الحالات الواقعية، ومن هنا، فإن نجاح قانون التصالح لا يُقاس فقط بعدد النماذج الصادرة، بل بمدى قدرته على إنهاء حالة التعقيد في ملف البناء، ودمج المواطنين في إطار قانوني مستقر وواضح.
في النهاية..التغيير من «نموذج 10» إلى «نموذج 8» ليس نهاية مرحلة بقدر ما هو إعادة ضبط لمسار طويل من الإصلاح التشريعي.. ويبقى التحدي الحقيقي هو ترجمة هذا التطوير على أرض الواقع بشكل يشعر معه المواطن بأن الإجراءات أصبحت أبسط، وأن القانون بات أقرب إلى الحل منه إلى التعقيد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض