غادة ماهر تكتب: الطرف الصامت في قانون الأسرة !
أكثر من 250 ألف حالة طلاق سنويًا.. وزمن القضية لا يتطابق مع زمن الطفل !
وأكثر من نصف مليون طفل يعيش جحيم ما بعد الطلاق !
أكثر من ربع مليون حالة طلاق سنويًا في مصر لا تعني فقط نهاية علاقة زوجية، بل بداية واقع جديد لمئات الآلاف من الأطفال، الذين يصبحون طرفًا صامتًا في معادلة لم يختاروها.
صحيح أن الطفل هو الطرف الصامت في قضايا الأحوال الشخصية، لكنه حاضر بكل تفاصيله؛ بعينيه التي ترى، وأذنيه التي تلتقط كل كلمة، وقلبه الذي يسجل ما لا يُقال. حاضر في المشهد، يتنقل بين لحظات التوتر والصمت، ويفهم أكثر مما يظن الكبار، ويشعر بما يعجز عن التعبير عنه.
ومع ذلك، ورغم هذا الحضور الكامل، يظل غائبًا بصوته؛ لا يُسأل، ولا يُستمع إليه، وكأن صمته دليل على أنه بخير، بينما هو في الحقيقة يحمل داخله ألف حكاية وحكاية.
في لحظة الطلاق، لا يفهم الطفل كيف يمكن لبيتٍ كان يومًا مصدر الأمان أن ينقسم فجأة. تتغير التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة؛ غرفة لم تعد كما كانت، روتين يتبدل، ووجوه مألوفة لم تعد حاضرة بنفس القرب. يقف الطفل بين طرفين، لا يملك رفاهية الاختيار ولا القدرة على الفهم الكامل، ولا يستطيع أن يحدد مع من يعيش، بل يكبت مشاعره تجاه الطرفين.
فيحاول تفسير ما يحدث بطريقته، وغالبًا ما ينتهي به الأمر إلى لوم نفسه أو البحث عن خطأ ارتكبه دون أن يدري.
في النهاية، لا يكون الطفل طرفًا في النزاع، لكنه غالبًا أكثر من يدفع ثمنه. وبين كل القرارات والإجراءات، تبقى حاجته الأساسية بسيطة وواضحة: أن يُرى، أن يُسمع، وأن يُعامل كإنسان كامل المشاعر، لا كظلٍ يتحرك على هامش الحكاية
.
"احدث ارقام الطلاق"
أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، الأحد 30 نوفمبر 2025، إحصاءات الزواج والطلاق السنوية لعام 2024. وأظهر التقرير انخفاض عقود الزواج وارتفاع حالات الطلاق مقارنة بالعام السابق.
وفق تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. بلغت عقود الزواج 936,739 عقدًا مقابل 961,220 في 2023، بينما ارتفعت حالات الطلاق إلى 273,892 حالة مقارنة بـ265,606 العام السابق.
لو بحسبة بسيطة، وبالاستناد إلى عدد حالات الطلاق البالغ 273,892 حالة، فإنه في حال نتج عن كل حالة طفل واحد فقط، يصبح لدينا نحو 273,892 طفلًا متأثرًا بالطلاق. أما إذا افترضنا أن كل أسرة لديها طفلان، فإن العدد يرتفع إلى حوالي اكثر من نصف مليون طفل يعيش جحيم ما بعد الطلاق !!

تأثير الطلاق علي الأطفال
ومع انتقال الخلاف إلى ساحات القضاء، يتعقد المشهد أكثر. يتحول الطفل من فرد داخل أسرة إلى جزء من ملف، تُناقَش تفاصيل حياته في جلسات رسمية، ويُستدعى أحيانًا ليُعبّر عن مشاعر أكبر من سنّه. في هذا السياق، لا يعود الصراع مجرد خلاف بين أبوين، بل واقعًا ضاغطًا يضع الطفل في موقع لا يناسب عمره، حيث يصبح حضوره مرتبطًا بإثباتات ومواقف، لا باحتياجاته النفسية.
أشار كل من Steven D. Blatt وAlicia R. Pekarsky، وهما باحثان طبيان من جامعة ولاية نيويورك (Upstate Medical University)، إلى أن
أثناء الطلاق، قد تبدو الواجبات المدرسية غير مهمة بالنسبة للأطفال والمراهقين، وغالبًا ما يُصبِحُ الأداءُ المدرسي أسوأ،وقد يكون لَدى الأطفال أوهام حول أنَّ الوالدين سيتصالحان.تختلف التأثيراتُ في الأطفال وفقًا للعُمر ومستوى النمو:
فالأطفال من عمر 2 إلى 5 سنوات قد يعانون من صعوبات في النوم ونوبات غضب ومشكلات في الانفصال عن الأهل، إضافة إلى ضعف مهارات استخدام المراحيض.
أما الأطفال من 5 إلى 10 سنوات فقد يواجهون مشكلات في السلوك مثل الحزن، الغضب، والعدوانية، مع شعور بالخوف وعدم الأمان خاصة في بيئات غير مستقرة.
في حين أن المراهقين (11 إلى 21 سنة) قد تظهر لديهم سلوكيات خطرة مثل استخدام العقاقير غير المشروعة والكحول، بالإضافة إلى مشاكل في العلاقات والسرقة أو العنف. وقد يتأثر بعضهم باضطرابات الأكل أو الدخول في سلوكيات محفوفة بالمخاطر نتيجة ضعف الرعاية أو غياب التوجيه.
نصائح في الهواء الطلق !!
في وسائل الإعلام والكتب ينصح الخبراء بمجموعة من الأساليب الإيجابية للتعامل مع الأطفال بعد الطلاق، من أبرزها تقديم الدعم العاطفي المستمر، والحفاظ على بيئة مستقرة، وتجنب إدخال الطفل في النزاعات بين الوالدين، إلى جانب تخصيص وقت لتعزيز شعوره بالأمان والانتماء.
وللأسف، فإن الواقع العملي يؤكد أن تلك النصائح كلام في الهواء، وما يحدث هو نوع من الحرب النفسية التي يستخدمها الطرفان في إلحاق الضرر النفسي والعصبي بالطفل، حيث يظل كل طرف يشحن الصغير ويحاول بشتى الطرق كسب حبه على حساب الطرف الآخر.
كما يتعمد كل طرف بث الكراهية والعداوة والبغضاء في قلب الطفل تجاه الطرف الآخر.
ففي أغلب الحالات، يقوم الطرف الحاضن بالشكوى والبكاء طوال الوقت لأطفاله من طليقهم، بينما في الساعات القليلة التي يقضيها الطرف غير الحاضن مع الصغير، يعيش دور الضحية ويؤنبه ويوجه له اللوم ويتهمه بعدم الرغبة في التواصل أو التقرب منه.
رغم أن الصغير الصامت الباكي لا يملك من أمره شيئًا.
وفي النهاية، يجد الطفل نفسه عالقًا في صراع دائم بين والديه، وهو ما يؤثر سلبًا على استقراره النفسي وتكوينه العاطفي ويترك لدية حزمة من العقد النفسية على المدى الطويل .
. نماذج أجنبية .. ملف خاص بالطفل وجلسات إلزامية للوالدين
في الوقت الذي يجد فيه أبناء الطلاق في مصر إهمالًا ويُعدّون أكثر الأطراف معاناة بعد الانفصال، نجد أن بعض الدول طبقت نماذج متقدمة تضع الطفل في قلب منظومة الدعم والرعاية
في السويد، لا يُنظر إلى الطلاق باعتباره إجراءً قانونيًا ينتهي بقرار حضانة أو نفقة، بل باعتباره تحولًا اجتماعيًا يستدعي تدخلاً من “الخدمات الاجتماعية” التابعة للدولة
. فور تسجيل الانفصال، يتم فتح ملف خاص بالطفل يتضمن متابعة شاملة لوضعه النفسي والمعيشي. وتبدأ العملية عادة بجلسات إرشاد إلزامية للوالدين تهدف إلى إعادة تنظيم العلاقة بينهما بما يضمن تقليل الصراع أمام الطفل، وترسيخ مفهوم “الأبوة والأمومة المشتركة” حتى بعد الانفصال. وفي حال وجود مؤشرات على تأثر الطفل نفسيًا، يتم تحويله إلى أخصائيين نفسيين يتابعون حالته بشكل فردي، مع تقييمات تمتد لعدة أشهر، وأحيانًا لسنوات، حسب درجة التأثير. ويُعتبر التدخل في حال وجود ضغط نفسي على الطفل أو توجيه كراهية ضد أحد الوالدين نوعًا من الإساءة النفسية التي قد تؤثر على ترتيبات الحضانة نفسها.
أما في كندا، فيتسم النظام بدرجة عالية من المرونة، مع تركيز كبير على تقليل النزاع القضائي بين الوالدين. فقبل الوصول إلى المحكمة في كثير من الحالات، تُفرض “خطة أبوية” تتضمن تفاصيل دقيقة حول رعاية الطفل وتقسيم الوقت بين الأب والأم. وتلعب خدمات الوساطة الأسرية دورًا محوريًا في محاولة الوصول إلى اتفاقات ودية، بهدف تقليل الأثر النفسي للنزاع على الطفل. وفي الحالات التي تشهد خلافات حادة، تلجأ المحاكم إلى تقارير أخصائيين نفسيين مستقلين لتقييم حالة الطفل وبيئته النفسية، مع منح أهمية كبيرة لرأي الخبراء في تحديد ما يناسب مصلحة الطفل.
كما توفر بعض المقاطعات الكندية برامج دعم جماعية للأطفال، تتيح لهم التعبير عن مشاعرهم ومشاركة تجاربهم مع أطفال آخرين يعيشون ظروفًا مشابهة، وهو ما يساعد في تقليل الشعور بالعزلة والضغط النفسي.

وفي ألمانيا، يتميز النظام بقدر أكبر من التدخل المؤسسي المباشر من خلال مكتب رعاية الشباب المعروف باسم “يوغندآمت”، الذي يُعد أحد أقوى أجهزة حماية الطفل في أوروبا. يتدخل هذا الجهاز تلقائيًا في جميع حالات الطلاق التي تشمل أطفالًا، ويقوم بتعيين أخصائي اجتماعي لكل حالة لمتابعة الوضع الأسري والنفسي للطفل بشكل مستمر. وتُجرى تقييمات نفسية وسلوكية للطفل عند الحاجة، مع التركيز على رصد أي علامات اضطراب ناتجة عن الانفصال أو النزاع بين الوالدين.
كما توفر مراكز الإرشاد الأسري في ألمانيا جلسات منتظمة تهدف إلى إعادة تنظيم التواصل بين الأبوين ومنع استخدام الطفل كأداة في الخلافات. ويُمنع بشكل صارم أي ضغط على الطفل لاختيار أحد الوالدين، حيث يُنظر إلى ذلك باعتباره عبئًا نفسيًا غير مقبول قد يترك آثارًا طويلة المدى على نموه العاطفي.
وعلى الرغم من اختلاف تفاصيل هذه النماذج من دولة إلى أخرى، إلا أنها تتفق جميعًا على مبدأ أساسي واحد، وهو أن الطفل بعد الطلاق ليس طرفًا في النزاع بين الوالدين، بل هو محور الحماية الأساسية. ولذلك، لا ينتهي دور الدولة عند إصدار حكم الحضانة، بل يبدأ فعليًا بعده من خلال منظومة متابعة نفسية واجتماعية تهدف إلى ضمان استقرار الطفل، وتقليل آثار الانفصال على نموه النفسي والسلوكي، وبناء بيئة تساعده على التكيف مع وضعه الأسري الجديد بأقل قدر ممكن من الضرر.
مسار قضايا الأحوال الشخصية
لا تتوقف آثار قضايا الأحوال الشخصية عند لحظة رفع الدعوى أو صدور الحكم، بل تمتد داخل مسار طويل من الإجراءات القضائية التي قد تستغرق وقتًا ممتدًا، يكون الطفل خلالها هو الأكثر تأثرًا بشكل غير مباشر.
فبين جلسات متتابعة، وإجراءات إثبات، ونزاعات حول الرؤية أو الحضانة، يعيش الطفل واقعًا مريرا دون أن يكون له دور في صياغته.
في هذه المرحلة، لا يكون النزاع مجرد خلاف قانوني بين طرفين، بل يتحول إلى سلسلة من التفاعلات اليومية التي تؤثر على استقرار الطفل النفسي والاجتماعي، خاصة عندما تتكرر الجلسات أو تتأخر الأحكام أو تتعقد إجراءات التنفيذ.
وللأسف تمتد قضايا الأحوال الشخصية لسنوات طويلة، وهو ما ينعكس سلباً علي الطفل، الذي قد يقضي مراحل طفولته ومراهقته داخل صراعات مستمرة. في ظل وجود فجوة واضحة بين “زمن القضية” و “زمن الطفل”، وعدم قدرة الأطفال على التكيف والتحمل طوال هذة المدة
وهنا يطرح تساؤل مهم:
هل تأخذ المنظومة القضائية في الاعتبار البعد الزمني وتأثيره على الطفل داخل هذه النزاعات، أم أن التركيز يظل منصبًا على الإجراءات القانونية فقط دون النظر إلى أثرها الممتد؟!!!

رواية واقعية
روى أحد الآباء موقفًا مؤلمًا تعرّض له أثناء وجوده مع ابنه ذي السبع سنوات في أحد مراكز الشباب. حاول الأب الجلوس مع طفله على طاولة واحدة، إلا أن الطفل رفض بشكل قاطع.
وبعد محاولات لإقناعه، استجاب الصغير وجلس مع والده لبضع دقائق، قبل أن يقول له بغضب:
“أنا بكرهك ومش عاوز أقعد معاك " ثم تركه وتوجّه للجلوس مع والدته على الطاولة الأخرى.
تعكس هذه الواقعة حجم الصراع النفسي الذي يعيشه الطفل بعد الطلاق، وما قد يتكوّن بداخله من مشاعر متضاربة أو سلبية تجاه أحد الوالدين، نتيجة عوامل متعددة، مثل التأثر بأحد الطرفين، أو غياب الاستقرار الأسري، أو عدم القدرة على التعبير الصحي عن مشاعره ..
“لا ننحاز لأي طرف على حساب الآخر، وما يعنينا هنا هو الطفل فقط: مشاعره، وصحته النفسية، واستيعابه الدراسي. والأهم كيفية حمايته من الصراع القائم بين والديه
وكيف يمكن تحقيق المعادلة الصعبة في أن يعيش مع والديه دون أن يقوم كل طرف ببث السم والكراهية تجاه الآخر من خلاله .
نأمل أن يحظى الطفل بالاهتمام الكامل، وأن يكون في صدارة اهتمام القائمين على تعديل قانون الأحوال الشخصية الجديد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض