رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

منافسة حامية لبناء شقق للأغنياء: مَن يبنى للفقراء؟

بوابة الوفد الإلكترونية

زلزال الأسعار يحرم محدودى الدخل من شقق الإسكان الاجتماعى

ياسر حسين سالم: وحدات المليون جنيه خارج أحلام الشباب.. والحل فى طرح أراضى الدولة بأسعار ميسرة

حمدى عرفة: يجب إلزام الشركات بحصة مخصصة للفئات الأقل دخلًا

 

فى قلب مشهد عمرانى يتسارع بوتيرة غير مسبوقة، حيث ترتفع الأبراج وتتمدد المدن الجديدة وتضخ استثمارات بمليارات الجنيهات فى قطاع الإسكان، يبدو أن مصر تخطو خطوات واسعة نحو إعادة رسم خريطتها العمرانية غير أن هذه الصورة المضيئة، التى تتصدر عناوين الأخبار وتُروج لها الحملات الإعلانية، تخفى خلفها واقعًا أكثر تعقيدًا وأقل بريقًا، تعيشه شريحة واسعة من المواطنين، خاصة محدودى ومتوسطى الدخل، الذين باتوا يقفون على هامش هذا التحول الكبير، غير قادرين على الاندماج فى سوق تتحرك بإيقاع أسرع من قدرتهم على اللحاق به.
فبينما تتجه أنظار المطورين إلى المشروعات الأعلى ربحية، وتتزايد المنافسة على تقديم وحدات فاخرة بمواصفات عالمية، تتراجع فى المقابل فرص الحصول على سكن ملائم للفئات التى تمثل الكتلة الأكبر من المجتمع ومع الارتفاع المتواصل فى أسعار الأراضى ومواد البناء، لم يعد هذا القطاع يعكس فقط حركة العرض والطلب، بل أصبح مرآة لاختلال أعمق فى توزيع الفرص داخل السوق، حيث تُعاد صياغة الأولويات لصالح القادرين، بينما تتآكل تدريجيًا فرص البسطاء.
اليوم، لم يعد السكن مجرد طموح يرتبط بتحسين مستوى المعيشة، بل تحول إلى تحدٍّ يومى يفرض نفسه على ملايين الأسر، فالشاب الذى يبدأ حياته العملية بدخل محدود، لم يعد قادرًا على التفكير فى التملك، بل يجد صعوبة حتى فى تأمين مسكن بالإيجار، فى ظل قفزات سعرية متتالية تتجاوز قدراته والأسرة التى تسعى للاستقرار، تجد نفسها أمام خيارات ضيقة، إما القبول بسكن غير ملائم، أو الاستمرار فى دوامة الإيجار غير المستقر، أو تأجيل الحلم إلى أجل غير معلوم.
ولا تقف تداعيات هذه الأزمة عند حدود الاقتصاد، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية ذاتها، حيث يؤثر غياب السكن المناسب على قرارات الزواج، والاستقرار الأسرى، وحتى الإحساس بالأمان والانتماء ومع اتساع الفجوة بين الدخل وتكلفة السكن، تتزايد المخاوف من عودة أنماط سكنية غير رسمية، فى صورة جديدة، قد تعيد إنتاج مشكلات سعت الدولة لسنوات إلى معالجتها.
ورغم الجهود التى تُبذل فى إطار مشروعات الإسكان المختلفة، فإن التحدى الحقيقى لا يكمن فقط فى حجم ما يُبنى، بل فى نوعيته، ومدى توافقه مع احتياجات الفئات المستهدفة.
فالسؤال لم يعد متعلقًا بعدد الوحدات المطروحة، بل بمدى قدرتها على الوصول إلى من يحتاجها فعليًا، فى ظل شروط تمويلية وأسعار قد لا تتناسب مع دخول شريحة كبيرة من المواطنين.
فحتى شقق الإسكان الاجتماعى لم تعد مناسبة لمحدودى الدخل، فأسعار شقق الطرح الأخير كانت تتراوح بين 850 إلى 900 ألف جنيها للشقة، ورغم أن مقدم الحجز كان ثابتاً وهو 50 ألف جنيه، إلا أن الأقساط الشهرية بعد التمويل العقارى كانت تصل إلى أربعة آلاف جنيه، وهو مبلغ مرتفع بالنسبة لرواتب الشباب التى من المفترض أنها لا تزيد على 12 ألف جنيه وفقاً لشروط الإعلان
وبذلك أصبح البسطاء والفقراء ومحدودو الدخل فى أزمة بعد أن تجاهلت الدولة احتياجاتهم فى السكن، وطبعاً فالقطاع الخاص لا يعرف هؤلاء من الأساس.
وفى هذا السياق، تتصاعد تساؤلات ملحة حول مستقبل الإسكان فى مصر، وحدود دور كل من الدولة والقطاع الخاص فى علاج هذه الأزمة، والآليات التى يمكن من خلالها تحقيق قدر من العدالة السكنية، يضمن ألا يتحول السكن من حق أساسى إلى امتياز، وألا تظل أحلام البسطاء حبيسة الإعلانات والوعود.
آراء من قلب الواقع
تعكس شهادات المواطنين صورة أكثر وضوحًا للأزمة، بعيدًا عن الأرقام والتحليلات، إذ يقول محمود عبدالعزيز (موظف – 32 عامًا): "مرتبى 8 آلاف جنيه، وهو رقم كان يفتح بيتًا قبل سنوات، اليوم أقف أمام شروط الإسكان الاجتماعى فأجدها تتطلب مقدمًا يقترب من مدخرات عمرى كله، وأقساطًا لا تترك لى ما أشترى به طعامًا لأطفالى. نحن نرى المدن تُبنى حولنا، لكننا نشعر بأننا لسنا المدعوين لهذا الاحتفال".
وتضيف منى السيد (ربة منزل): "نعيش فى دوامة الإيجار الذى يرتفع سنويًا بنسبة تفوق أى زيادة فى دخلنا. التمليك أصبح كلمة من الماضى، أو حلمًا نراه فى الإعلانات التلفزيونية فقط. الإحساس بعدم الاستقرار يقتل أى طموح للمستقبل".
أما أحمد حسن (شاب فى بداية حياته العملية) فيقول: "أنا لسه ببدأ حياتى وعايز أتجوز، لكن أول عقبة هى السكن. لا أقدر أشترى ولا أأجر بسهولة. كل الحلول المطروحة مش مناسبة لينا كشباب، وكأن السوق ده معمول لناس تانية".
وتكشف هذه الشهادات عن واقع يعيشه كثيرون، حيث لم تعد الأزمة فى غياب الطموح، بل فى تضاؤل الفرص، وغياب مسارات تُمكّن المواطنين من الحصول على سكن آمن ومناسب، وهو ما يضع ملف الإسكان أمام تحدٍّ حقيقى يتطلب حلولًا أكثر عدالة وواقعية.
فى هذا السياق، يؤكد الخبراء أن أزمة الإسكان لمحدودى الدخل لم تعد مجرد فجوة سعرية، بل تعكس خللًا هيكليًا فى فلسفة التخطيط العمرانى وتوزيع الاستثمارات داخل السوق العقارية.
الأزمة تتطلب تدخلًا هيكليًا
وتعليقاً على ذلك، أكد الدكتور حمدى عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، وخبير استشارى البلديات الدولية، أن مستقبل السكن لمحدودى الدخل فى مصر يقف عند مفترق طرق حقيقى، فى ظل التوسع الكبير فى المدن الجديدة من جهة، وارتفاع تكاليف البناء وأسعار الأراضى من جهة أخرى.
وأوضح أن الفئة التى يقل دخلها عن 25 ألف جنيه شهريًا أصبحت تواجه فجوة متزايدة بين قدرتها الشرائية وأسعار الوحدات السكنية المطروحة، مشيرًا إلى أن استمرار هذا الوضع دون تدخلات أكثر عمقًا قد يؤدى إلى تفاقم أزمة السكن وعودة العشوائيات بشكل غير مباشر.
وأضاف أن مسئولية توفير السكن المناسب هى مسئولية مشتركة، تقع فى المقام الأول على عاتق الدولة باعتبارها المنظم الرئيسى للسوق وصاحبة الأراضى، إلى جانب القطاع الخاص الذى يجب أن يكون شريكًا حقيقيًا فى تحقيق العدالة السكنية، وليس فقط السعى وراء الربحية.
وشدد على ضرورة وجود أطر تشريعية واضحة تُلزم شركات التطوير العقارى بتخصيص نسبة من مشروعاتها لصالح محدودى ومتوسطى الدخل، مع تقديم حوافز فى المقابل، مثل تخفيض سعر الأرض أو تسهيلات فى التراخيص، بما يحقق التوازن بين الربحية والبعد الاجتماعى.
وفيما يتعلق بأراضى الدولة داخل المدن، أشار إلى أنها تمثل فرصة ذهبية إذا ما أُحسن استغلالها، من خلال طرحها بأسعار مخفضة أو بنظام حق الانتفاع لمشروعات إسكان اجتماعى حقيقى، مع ضبط تكلفة التنفيذ ومنع المغالاة فى التسعير.
كما طرح عددًا من الحلول العملية التى يمكن أن تسهم فى خفض أسعار الشقق، من بينها تبنى نماذج بناء منخفضة التكلفة باستخدام تكنولوجيا حديثة، وتقليل مساحات الوحدات مع الحفاظ على جودة التخطيط، وتفعيل نظم التمويل العقارى دون فوائد ميسرة وطويلة الأجل، إلى جانب دعم مواد البناء أو ضبط أسعارها.
واختتم حديثه بالتأكيد أن حل أزمة سكن الشباب لا يحتاج فقط إلى مشروعات جديدة، بل إلى رؤية متكاملة لإدارة ملف الإسكان، تقوم على العدالة والكفاءة والاستدامة، بما يضمن لكل شاب مصرى حقه فى سكن آمن وكريم.
الاقتصاد العقارى بين النمو والعدالة
ومن جانبه، قال الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادى والمالى الدولى لـ«الوفد»، إن مسئولية توفير الإسكان، خاصة لمحدودى الدخل، هى مسئولية مشتركة بين الدولة والقطاع الخاص، مع التأكيد أن الدولة تظل الجهة المنوطة بالتنظيم ووضع السياسات التى تضمن تحقيق التوازن داخل السوق العقارية.
وأوضح أن قطاع البناء والتشييد يُعد أحد أهم روافد الاقتصاد التنموى والعمرانى، حيث تسعى الدول إلى التوسع فى إنشاء المدن الجديدة لمواكبة الزيادة السكانية الطبيعية، فضلًا عن تلبية احتياجات الأسر التى تتزايد مع تطور مراحلها الحياتية.
وأشار إلى أن غياب التنظيم فى عمليات البناء قد يؤدى إلى انتشار العشوائيات، ما يستدعى تدخل الدولة عبر طرح الأراضى بشكل مستمر وفق تخطيط عمرانى مدروس، يحقق التنمية المستدامة ويمنع البناء غير المنظم.
وفيما يتعلق بالأزمة الراهنة، لفت إلى أن الأسعار المرتفعة للوحدات السكنية أصبحت بعيدة عن قدرات محدودى الدخل، إذ تجاوز الحد الأدنى للوحدات السكنية حاجز المليون جنيه، وهو ما يجعلها غير مناسبة للشباب فى بداية حياتهم، مؤكدًا أن هذه الفجوة تستدعى إعادة النظر فى السياسات الإسكانية، خاصة من خلال التوسع فى طرح وحدات صغيرة بنظام الإيجار أو الإيجار التمليكى.
وشدد على ضرورة أن تتضمن خطط الدولة العمرانية نسبًا مخصصة للإسكان الاقتصادى، مع تنويع أنظمة التملك بما يتيح فرصًا أوسع للحصول على سكن ملائم.
كما دعا إلى طرح الأراضى بأسعار مخفضة للمواطنين والمطورين فى المدن الجديدة، مثل السادس من أكتوبر وبدر والعبور، بمساحات متنوعة وشروط بناء واضحة، بما يسمح للأسر بالبناء التدريجى وفق إمكانياتها، وهو نموذج أثبت نجاحه فى فترات سابقة.
وأكد أن تنشيط القطاع العقارى يسهم فى تشغيل عدد كبير من العمالة فى مختلف المهن المرتبطة بالبناء، ما يعزز دوره كقطاع حيوى فى دعم الاقتصاد.
وانتقد اقتصار بعض الطروحات الحالية على الوحدات مرتفعة السعر، مؤكدًا أنها لا تخدم محدودى الدخل، الذين يواجهون صعوبات حقيقية فى امتلاك أو حتى استئجار سكن مناسب.
واختتم حديثه بالتأكيد على ضرورة تبنى سياسات تدعم الاقتصاد الحر وتمنع الاحتكار، مع فتح المجال أمام جميع الأطراف للمشاركة، بما يحقق التوازن بين مصالح المستثمرين .
وبين شهادات المواطنين وتحليلات الخبراء، تتضح ملامح أزمة تتطلب إعادة نظر شاملة، لا تقتصر على زيادة المعروض، بل تمتد إلى إعادة توجيه السياسات، بما يضمن أن يظل السكن حقًا متاحًا، لا امتيازًا لفئة دون أخرى.