رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

إبراهيم عبدالمجيد لـ«الوفد:

التهجير فكرة استعمارية بغيضة لن تتم

بوابة الوفد الإلكترونية

وعن المشهد الثقافي المصري: «مافيش فايدة»

حصلت على ٣ جنيهات من أول جائزة وقال عني تيمور إني قصاص موهوب

 

في حضرة الأستاذ تشعر بمتعة موازية، فأنت تتخلى «طوعا» عن كونك محاورا، لتتحول في غمضة عين إلى مستمع ومستمتع في آن، هكذا يفيض عليك نهر الحكي الذي اشتهر به إبراهيم عبدالمجيد، لتجد نفسك مأخوذا به ومعه إلى عوالم وأسرار ومتع ما كنت مدركها لولا جلوسك إليه.

وإبراهيم عبدالمجيد، عاشق مدينته الإسكندرية، تلك التي تحضر في أعماله بقوة، فهي إما بطلا رئيسا للحكاية، أو منطلقا للفكرة ومحورا مهما لا يمكن إغفاله، وكأنه أخذ على عاتقه مهمة تقديم وجه محبوبته إلى العالم عبر كتاباته.

بدأ إبراهيم عبدالمجيد رحلته مع الأدب في سبعينيات القرن الماضي، وأصبح أحد أبرز الأصوات التي عكست التحولات الاجتماعية والسياسية في العالم العربي.

حصل على العديد من الجوائز، كان آخرها جائزة النيل في الآداب. ولد في الإسكندرية وحصل على ليسانس الآداب من جامعتها عام 1973 قبل أن يستقر في القاهرة متقلداً وظائف عدة في وزارة الثقافة.

 أصدر أكثر من 20 رواية، منها «بيت الياسمين»، و»لا أحد ينام في الإسكندرية»، و«الإسكندرية في غيمة»، و»قبل أن أنسى أني كنت هنا»، «أداجيو» وكان آخرها رواية «سامح الفؤاد»، وتحول بعضها إلى أعمال سينمائية وتلفزيونية ومسرحية. كما أصدر العديد من المجموعات القصصية وكتباً في السيرة والمقالة وأدب الرحلة والفلسفة والمسرح والترجمة.

معه وعنه وبه، كان هذا الحوار..

< نشأتَ بحي كرموز بالإسكندرية، فكيف كان المكان دافعًا لك للكتابة؟

<< أبرز سمات المكان التي أثرت بي كان الاتساع من حولي، كان ذلك في الخمسينيات. كذلك وجود سينما مصر أو سينما النيل، وكيف جذبتني وأنا في الخامسة من عمري، ومنها عرفت حب السينما و»التزويغ» من المدرسة، وكيف أن كثيرًا من الأفلام مأخوذ عن روايات أجنبية، وملاحم مثل الإلياذة والأوديسا، فانفتحت لي أبواب القراءة بعد أن صرت قادرا عليها في سن العاشرة، ولم تغادرني.

كذلك الغرباء الذين كنا نقابلهم في الشوارع فيحكون لنا حكايات خرافية. ترعة المحمودية التي كنا نلعب جوارها الكرة الشراب، ونجلس مع المراكبية يحكون لنا أساطير، عن رحلاتهم وطريقها من الجنوب إلى الشمال. عامود السواري ومنطقة كوم الشقافة التي كان يعيش في أنفاقها الغجر، ويمرون علينا يبيعون حلوى وغيرها، حكايات الفتوات وسفاح كرموز الذي كان بيته على الترعة جوار شركة الغزل، كثير جدا من المؤثرات وكل شيء من حولي كان يدعو إلى حب الحكي.

< هل تعتبر المكان هو صانع الشخصية والحدث أم العكس؟

<< مما عشته أدركت أن المكان هو صانع الشخصية. فما الذي يجعل شخصا يمشي في الفراغ يغني مثلا. رأيت ذلك في الليالي وفي الصحراء التي كان أبي أحيانا لعمله في السكة الحديد يصحبني معه إليها. فيما بعد قرأت في الأدب وتاريخه، وكيف أن المكان في الرواية الكلاسيكية منفصل عن مشاعر الشخصيات، وفي الرواية الرومانتيكية متحد معها، وفي الواقعية الجديدة التي ظهرت في الخمسينيات مستقل وله الدوام، بينما البشر زائلون. لكني ظللت على فكرتي أنه صانع الشخصية، وله تأثير في كل شيء حتى الحوار، فليست التأملات بالليل على شاطئ البحر مثل التأملات في قطار، فعلى شاطئ البحر بالليل تأتي العبارات أطول... وهكذا.

< ما أهم الروايات التي صنعت معايشتك لأجوائها فارقًا عند الكتابة؟

<< الأجواء وما عشتها في الرواية تظهر أكثر في الرواية التاريخية. فحين كتبت «لا أحد ينام في الإسكندرية» ظللت لست سنوات كانت سنوات الكتابة، أزور كل مواقع الحرب العالمية الثانية في الصحراء الغربية صيفا وشتاء لأشعر بها، فضلا عن قراءة المعلومات في الصحف والكتب وغيرها. الأمر نفسه في «طيور العنبر» الجزء الثاني من الثلاثية وإن استغرق الأمر ثلاث سنوات، لأن أحداثها في الخمسينيات والستينيات وكنت طفلا ولا زلت أذكر الكثير. الأمر نفسه في»الإسكندرية في غيمة» التي تجري أحداثها في السبعينيات فأخذ الأمر وقتا أقل لأني كنت شابا وقتها. زيارة الأماكن والوقوف أمامها تأتي بالمشاعر والحكايات من بين الجدران. في روايات أخرى غير تاريخية مثل «الصياد واليمام» أو «ليلة العشق والدم» حدث نفس الشيء، لكن الزيارات لم تكن كثيرة. كنت أذهب إلى المكان لتتجسد لي شخصيات الرواية بينه.

في ثلاثية مثل « الهروب من الذاكرة» سافرت من جديد إلى الصحراء الغربية لأرى التغير في البلاد لأن أحداثها بعد عام 2017 وفي جزئها الثاني شخص يغادر البلاد عابرا الصحراء الغربية إلى ليبيا ليسافر منها إلى المغرب ثم الأندلس.

< إلى أي مدى صنعت منك الحكاية هذا الأديب الكبير، وما هي مصادرها؟

<< بالإضافة إلى ما قلته عن نشأتي في حي كرموز وحكايات الغرباء، كانت أجمل الحكايات هي ما يحكيه لنا أبي رحمه الله ونحن أطفال، عن قصص الأنبياء في القرآن الكريم. أخذتني إلى فضاء رائع من القصص، وكان لها تأثير كبير على ميلي للحكي والخيال.

< هل أثرت دراستك للفلسفة في التقاطك لأفكار رواياتك أو زوايا التناول؟

<< تأثيرها الأكبر كان في زوايا التناول. كانت الفلسفة الوجودية أكبر مساعد لي في فهم غرائب الأحداث. فما معنى أن أكتب عن شخص يرسل خطابات إلى الله وينتظر الإجابة التي لا تأتي، أو نساء تطل بالليل من النوافذ على الشوارع الخالية ولا تدخل، أو عامل مزلقان في السكة الحديد ينتظر حضور القطار ليغلق المزلقان ولا يأتي القطار، أو صياد يصطاد السمك ثم يعيده إلى البحر أو البحيرة، وغير ذلك كثير. الفلسفة عادة خلفية للأحداث يدركها القارئ الأريب أو الناقد، وليست كلاما مباشرا. هذا هو ما تعلمته من قراءاتي لكُتاب مثل نجيب محفوظ أو كافكا، والأمر نفسه في علم النفس وهكذا.

< هل نحن حقا في زمن الرواية، وهل ترى أن الأجناس الأدبية الأخرى ظلمت؟

<< للأسف صحيح. بيننا كتاب قصة قصيرة رائعون، وشعراء رائعون من الأجيال الجديدة، لكن هكذا يحدث في العالم كله. منذ السبعينيات انتقلنا إلى زمن الحكي الذي صار زمن الرواية. كيف حدث ذلك في كل الدنيا حديث طويل ذكرته في كتبي ومقالاتي قبل أن تنتشر كلمة زمن الرواية.

< لاحظنا في بعض رواياتك أبياتا شعرية، فلماذا لم تصدر ديوانا؟

<< أغلب الأدباء يبدأون شعراء ثم تناديهم الرواية أو القصة أو المسرح أو غيرها. أنا بدأت متيمًا بالشعر القديم وكتبت قصائد لا تصلح للنشر. لم أستوعب العروض ولا بحور الشعر القديم فجذبتني الرواية والقصة. عرفت طبعا بعد ذلك ما حدث من تطور للشعر حتى قصيدة النثر، لكن الرواية والقصة صارتا عالمي. حتى المسرح كانت قراءاتي فيه أكثر، وسجلت رسالة الماجستير في كلية الآداب بالإسكندرية في علم الجمال بعنوان «جماليات الدراما بين أرسطو وبريخت» لكن اعتذرت عن إكمالها وجئت للقاهرة لإقامة دائمة عام 1974. كتبت في حياتي مسرحية واحدة بعنوان» 24 ساعة قبل الحرب» نشرت في أوائل الألفية الجديدة بالمجلس الأعلى للثقافة. لكن كالعادة ما أتركه لا يضيع. قفز الشعر لأول مرة في رواية «طيور العنبر»، ثم بعدها في «الإسكندرية في غيمة» ثم في رواية «قبل أن أنسى أني كنت هنا» وأخيرا في روايتي الأخيرة «سامح الفؤاد»، قررت دائما أن يكون الشعر في الروايات وليس مستقلا في كتاب. قلت يكفي غيرة بعض الروائيين وحروبهم عليّ، «مش ناقصة»!

< هل ترى أن الرواية التاريخية لابد أن تلتزم بالسياق التاريخي، أم أن هناك مساحة مقبولة من التغيير في الحدث؟

<< اختلفت كتابة الرواية التاريخية بين الكُتاب. الأغلبية تبحث عن شخصيات تاريخية تفسر مواقفها بما يشي بحالة معاصرة أو شخصية معاصرة، وهنا يكون العقل في الرواية أكثر من الروح. كاتب عظيم مثل ألبير كامي حين كتب مسرحية «كاليجولا» أخذها إلى أفق فلسفي عميق وهو العبث أو اللامعقول، حين كتبت روايتي «لا أحد ينام في الإسكندرية» كان ما يشغلني هو الإمساك بروح ذلك الزمن، وليس إعادة تفسيره ولا إسقاط أحداثه على واقع نعيشه. أنا أحب أن تمسك الرواية التاريخية بروح العصر، لأن إسقاطها على الواقع تفكير عقلي يقلل من مساحة الروح في الكتابة، والمقالات به أجدى.

< هل هناك نص كتبته وأنهيته ولم تنشره؟ ولماذا؟

<< لم يحدث. لكن حدث مرة أني بدأت رواية ولم أكملها. كان ذلك عام 1979 وأنا أعمل في السعودية. بدأت كتابة رواية عن شركة الترسانة البحرية التي كنت أعمل بها في بدء حياتي بالإسكندرية، وهي التي عملت بها منذ بدايتها وساهمت في بنائها وتركيب آلاتها. كنت أحاول أن أوضح كيف كنا نبنيها كأنما نبني وطنا. لكن قفز بعد عدد من الصفحات شخص كان زميلا لي في المدرسة الإعدادية فشل في التعليم، وصار فتوة في منطقة المفروزة المواجهة للترسانة، وأحد لصوص الجمرك، قفز إلى الرواية يريد أن يأخذ صفحاتها لنفسه، فقلت له مش حاكملها يابن.. ولم أكملها. كان قد توفي عام 1973 وقتله مساعده الذي كان مخبرا في البوليس ولا يدري. كنت كتبت حوالي ثلاثين صفحة استفدت منها في رواية «بيت الياسمين» التي يعمل بطلها في شركة الترسانة. لكن بعد حوالي أربعين سنة وأنا أكتب رواية «السايكلوب» ظهر الفتوة لكاتب الرواية الذي تخيلته بدلا عني، وقال له إني أعرف الكاتب الذي جعلك تكتب الرواية. لقد توقف عن روايته منذ أربعين سنة بعد أن أخرجني من المقبرة ومن يومها لم أعد. أدخلني إلى روايتك ما دمت جئت تكتب عن الإسكندرية وسوف أحكي لك العجب. وبالفعل حكى له أساطير عن العصابات في ذلك الزمن، وشكره وقال له الآن سأعود إلى المقبرة، وانتهت الرواية بحكايات رائعة منه.

< كتبت معظم الأجناس الأدبية، ففي أي من تلك الأنواع تجد ضالتك وتشعر بتحقق متعة الكتابة؟

<< أنا متعتي في كل ما أكتبه، لأني أستغني به عن العالم من حولي.

< ما الذي تمثله لك الجوائز، وهل يعد الفوز بها ضرورة وهدفا للكاتب؟

<< الذي يستهدف الجوائز مخطئ لأنه يعيش على أمل ليس في يده، وهذا يزيد من إحباطه. كما أنه قد يستخدم عقله في الكتابة فلا يكون جريئا في كسر التابوهات مثلا لأنه يتصور أن جهات الجوائز لا تفضل ذلك. الجوائز مثل الجواز قسمة ونصيب. الجوائز التي كان لها أثر كبير في روحي هي أول جائزة عام 1969 في نادي القصة بالإسكندرية، حين فزت بالجائزة الأولى، وتم نشر القصة كاملة في جريدة الأخبار مع مقدمة لمحمد تيمور يقول فيها هذا قصاص موهوب. كانت الجائزة ثلاثة جنيهات اشتريت بها صحفا وزعتها على الناس. المهم قررت بعدها أن أترك الإسكندرية إلى القاهرة لكن انتظرت حتى أنتهي من دراستي الجامعية، وأتيت عام 1974 لأعيش بين الكتّاب والسياسة. بعدها لم أتقدم إلى أي جائزة. كل الجوائز التي حصلت عليها كانت بترشيحات ناشرين أو جهات ثقافية. الجائزة الثانية التي كانت فارقة معي هي جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية عام 1996 عن روايتي «البلدة الأخرى» وأيضا لم أتقدم لها. هذه الجائزة في عاميها الأولين كانت دون تقديم، لكن بترشيحات أساتذة الجامعة الأجلاء. أهميتها أنها حملت اسم نجيب محفوظ وفزت بها في أول سنة. وأهميتها أيضا أنه بعدها انفتحت أبواب الترجمة إلى الإنجليزية، وتلقيت دعوات من بلاد كثيرة من العالم. غير ذلك كانت جوائز قيمة ماديا نفعتني في محنة المرض الذي لازمني لأربع سنوات تقريبا فأفادتني كثيرا والحمد لله على ذلك. أتت في النهاية جائزة النيل لتتوج مسيرتي عام 2022 وهو تتويج رائع من وطني الذي عشت به وله ومنه.

< كيف ترى المشهد الثقافي المصري، وما الذي يحتاجه ليصبح أفضل؟

<< أنا مبتعد عن الحديث في هذا الأمر، وأعتذر عن الإجابة عن كل الأسئلة عنه، فلا فائدة. سعد زغلول قال وهو على فراش المرض «ما فيش فايدة»، فصارت علامة على زمننا للأسف، وهي تعليقي على سؤالك.

وبالمناسبة هذا الحوار أول حوار أوافق عليه منذ شهور تقديرا لكِ فقط.

< في رأيك، كيف ينجو الكاتب الحق من طغيان الذكاء الاصطناعي، واستغلال البعض لتلك التقنية في الكتابة؟

<< الذكاء الاصطناعي في الإبداع بشكل خاص عمل أنصاف الموهوبين أو المديوكر وأنا لا أهتم به. يمكن استخدامه في الترجمة أو المقالات وإن فقد شيئا من الروح فهو يقدم معلومات، لكن في الإبداع لا معنى له.

< كيف ترى ضرورة أن يعبر الكاتب عن مجتمعه وأن يكون صوتا له؟

<< الكتابة الصادقة فنيا هي أعظم إنجاز للكاتب، أما الحديث عن الرسالة فيما يكتب فلا أحبه. أكثر شخصيات تصنع الإبداع والدراما هم الأشرار والخارجون عن المألوف. على الكاتب أن ينشغل بفنية ما يكتب ويترك أمر الرسالة للقارئ يجدها أو لا.

< كيف ترى تداعي الأحداث في فلسطين، وما رأيك كأديب في قضية التهجير؟

<< فلسطين هي قضية عمري منذ طفولتي وظهرت في أعمال لي منذ روايتي « في الصيف السابع والستين» وفي مقالات كثيرة جدا. أما التهجير فهو فكرة استعمارية بغيضة ولن تتم. لقد هاجر مليون صهيوني منذ اندلعت الحرب إلى البلاد التي جاءوا منها، ومصير البقية هي الهجرة مثلهم، فصمود الشعب الفلسطيني لن ينتهي وسيأتي اليوم الذي تعود فيه الأرض إلى أصحابها الحقيقيين الفلسطينيين.

< التعليم، الاقتصاد، الثقافة.. أي مما سبق يمكنه أن يعيد تشكيل المشهد بمصر؟

<< الثلاثة معا. المقارنة بين حال التعليم الآن وحاله في الخمسينيات والستينيات أمر محزن والحديث عن ذلك طويل. الأمر نفسه في الاقتصاد فللأسف ستون بالمائة من المصريين تحت خط الفقر، ومن ثم يصبح شراء الكتب أو حضور العروض السينمائية والمسرحية ترفا لا يقدرون عليه ناهيك عن انتهاء زمن التعليم المجاني.

< نصيحة يقدمها إبراهيم عبد المجيد لشباب الكُتاب؟

<< اكتب ولا تنتظر شيئا من هذا العالم، فالمتعة في الكتابة، وكن على يقين أن هناك قارئا لا تعرفه يحبك.

< هل سيصدر لك عمل جديد قريبا؟

<< هناك رواية ربما تنشر في منتصف العام.