رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

«سفاح التجمع».. يواجه المجهول

بوابة الوفد الإلكترونية

أثار فيلم «سفاح التجمع» حالة واسعة من الجدل داخل الوسط الفنى وبين الجمهور منذ اللحظات الأولى لعرضه، بعدما نجح فى تحقيق ما يقرب من 500 ألف جنيه خلال أول حفلتين فقط، وهو رقم لافت عكس حجم الإقبال الجماهيرى على العمل فى بداية طرحه ضمن موسم أفلام عيد الفطر، قبل أن تنقلب الأمور بشكل مفاجئ مع صدور قرار بسحبه من دور العرض بعد ساعات قليلة، فى واقعة كشفت عن تضارب واضح فى معايير السينما فى مصر، وأعادت طرح تساؤلات قديمة متجددة حول آليات الرقابة وحدودها وعلاقتها بحرية الإبداع.
هذا التباين بين النجاح السريع والقرار المفاجئ بالإيقاف خلق حالة من الارتباك داخل صناعة السينما، خاصة مع غياب رواية موحدة تفسر ما حدث، حيث تعددت الأسباب المطروحة ما بين مخالفات فنية تتعلق بمحتوى الفيلم، وأخرى قانونية مرتبطة بدعوى قضائية، وهو ما دفع بالأزمة إلى ما هو أبعد من مجرد خلاف عابر، لتتحول إلى قضية رأى عام داخل الوسط الفنى، يتابعها الجمهور باهتمام ويطرح من خلالها تساؤلات حول مستقبل الإنتاج السينمائى فى مصر.
ووفقًا لما أعلنته جهات رقابية، فإن قرار سحب الفيلم جاء نتيجة عدم التزام النسخة المعروضة بالسيناريو المعتمد مسبقًا، حيث تضمن العمل مشاهد وأحداثًا لم تحصل على موافقة رسمية، إلى جانب احتوائه على لقطات عنف وُصفت بأنها تتجاوز شروط الترخيص الممنوحة، وهو ما استدعى إخطار دور العرض بوقف عرضه وسحبه فورًا من القاعات، لحين مراجعة تلك الملاحظات واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنه. كما أوضح البيان أن صناع الفيلم مطالبون بالعودة إلى النص الأصلى المعتمد، وحذف أى مشاهد غير مجازة، مع إعادة عرض النسخة المعدلة على الجهات المختصة قبل اتخاذ قرار جديد بشأن السماح بعرضه.
فى المقابل، أشارت تقارير رقابية متداولة إلى أن قرار المنع تزامن أيضًا مع دعوى قضائية مستعجلة أقامتها أسرة الشخصية الحقيقية التى استُلهمت منها أحداث الفيلم، طالبت فيها بوقف العرض حفاظًا على حقوق أحد أفرادها القُصّر، وهو ما أضاف بعدًا قانونيًا معقدًا إلى الأزمة، وزاد من حالة الغموض المحيطة بالقرار، خاصة مع عدم صدور توضيح حاسم يجمع بين هذه الأسباب المختلفة.
وعلى الجانب الآخر، جاءت ردود صناع الفيلم لتكشف عن رواية مغايرة، حيث أكد مؤلف ومخرج العمل محمد صلاح العزب أن الفيلم حصل على جميع التراخيص والتصاريح القانونية والرقابية قبل عرضه، مشيرًا إلى أن قرار السحب جاء بشكل مفاجئ بعد عرض الفيلم بالفعل وتحقيقه إيرادات مرتفعة، وهو ما اعتبره سابقة غير معتادة فى تاريخ السينما المصرية. كما أعرب عن رفضه للبيان الصادر بشأن أسباب المنع، متسائلًا عن كيفية منح العمل تصريح عرض إذا كانت النسخة المقدمة مخالفة، وهو ما يعكس حالة من التناقض بين ما تعلنه الجهات الرسمية وما يؤكده فريق العمل.
ومن جانبه، أوضح المنتج أحمد السبكى أن الشركة المنتجة لم تتلقَ إخطارًا واضحًا ومباشرًا بأسباب وقف العرض، رغم حصول الفيلم على ترخيص قبل أيام قليلة من طرحه، مؤكدًا أن العمل خضع بالفعل لمراجعات رقابية متعددة، وتم تنفيذ جميع الملاحظات المطلوبة، بل وتمت إجازة النسخة النهائية دون تسجيل أى تحفظات، على حد قوله. وأضاف أن قرار السحب تسبب فى خسائر مادية كبيرة، خاصة بعد الانتهاء من حملات الدعاية وطباعة النسخ وتوزيعها على دور العرض، مشيرًا إلى أن الفيلم كان مرشحًا لتحقيق إيرادات قوية خلال موسم العيد فى ظل الإقبال الذى شهده فى أولى حفلاته.
كما تطرق السبكى إلى الجدل المثار حول تداول مقطع دعائى عبر مواقع التواصل الاجتماعى تضمن مشاهد غير مجازة رقابيًا، موضحًا أن هذا التريلر تم حذفه لاحقًا، وأن النسخة التى عُرضت داخل دور السينما مختلفة وتحمل التصاريح اللازمة، وهو ما يضيف مزيدًا من التعقيد إلى المشهد ويثير تساؤلات حول مدى تأثير تلك الواقعة على قرار السحب.
وأعربت الفنانة سينتيا خليفة عن حزنها لوقف عرض الفيلم، مشيرة إلى أن القرار جاء مخيبًا لآمال فريق العمل بعد الجهد الكبير المبذول فيه. ولفتت إلى أن الفيلم، رغم قسوة موضوعه وبعض مشاهده، كان من الممكن أن يحمل جانبًا توعويًا مهمًا، خاصة للنساء، من خلال تسليط الضوء على نماذج وسلوكيات خطرة داخل المجتمع. وفى الوقت نفسه، أكدت احترامها لدور الرقابة وقراراتها، فى إشارة تعكس تفهمها لطبيعة المسؤولية التى تتحملها الجهات المعنية.
البيان الرسمى الصادر عن جهاز الرقابة شدد بدوره على أن القرار يأتى فى إطار تطبيق القواعد المنظمة، مؤكدًا حرص الجهاز على دعم الإبداع الفنى دون الإخلال بالقيم المجتمعية، مع التأكيد على استمرار التعاون مع صناع الأعمال الفنية لضمان تقديم محتوى يتوافق مع الضوابط الرقابية والتصنيفات العمرية المعتمدة.
فى المقابل، أثار القرار موجة انتقادات من جانب عدد من النقاد، حيث عبّرت الناقدة ماجدة خير الله عن استيائها من سحب فيلم حصل على موافقات رقابية مسبقة وبدأ عرضه بالفعل، معتبرة أن ما حدث يعكس حالة من التخبط ويؤثر سلبًا على صناعة السينما، خاصة فى ظل التراجع الملحوظ فى حجم الإنتاج خلال السنوات الأخيرة. كما انتقد الناقد طارق الشناوى القرار، واصفًا إياه بأنه ضربة مفاجئة لحرية التعبير، ومؤكدًا رفضه لفكرة سحب عمل فنى بعد إجازته رسميًا وطرحه للجمهور.
وتدور أحداث الفيلم، المصنف للكبار فقط، فى إطار يجمع بين الرعب والجريمة، حول شاب يعيش فى عزلة نفسية قبل أن تتطور حياته بشكل تدريجى إلى مسار مظلم، يدخل خلاله فى علاقات معقدة تقوده فى النهاية إلى ارتكاب سلسلة من الجرائم، فى معالجة درامية تعتمد على التشويق والتحليل النفسى للشخصية الرئيسية.
وبين بيانات رسمية متباينة وتصريحات متضاربة، تظل أزمة «سفاح التجمع» نموذجًا واضحًا لحالة الجدل المستمر بين صناع الفن والجهات الرقابية، حيث لم تتضح حتى الآن الصورة الكاملة لما جرى، حتى كتابة هذا التقرير فى ثانى ايام عرضه الذى يتزامن مع ثانى ايام عيد الفطر المبارك، فى انتظار ما ستسفر عنه المناقشات المرتقبة وإمكانية إعادة عرض الفيلم بعد إجراء التعديلات المطلوبة، وهى خطوة قد تحدد مسار هذه الأزمة التى تجاوزت حدود فيلم واحد، لتطرح تساؤلات أوسع حول مستقبل صناعة السينما وحدود الرقابة فى مصر.