حياة الإنسان لحظاتٌ يفتح الله فيها أبواب رحمته
تمرّ على حياة الإنسان لحظاتٌ يفتح الله فيها أبواب رحمته على نحوٍ خاص، لحظاتٌ تتسع فيها السماء للدعاء، وتقترب فيها الرحمة من القلوب اقترابًا يشعر به من أقبل على الله بصدقٍ وخشوع..
وقالت الأستاذة هدى عبدالناصر الباحثة الدينية أن من أعظم هذه اللحظات ليلةٌ عظيمة اختارها الله لتكون تاج الليالي في العام كلّه ، ليلةٌ جعلها الله بابًا واسعًا للمغفرة والطمأنينة، وجعل فيها من الخير ما لا يمكن أن يُحاط به عدًّا ولا وصفًا، إنّها ليلة القدر..
هذه الليلة ليست ليلةً عادية تمرّ في أيام رمضان، بل هي ليلةٌ أخبر الله عنها بكلماتٍ تملأ القلب تعظيمًا لها، حين قال إنّها خيرٌ من ألف شهر..
ومعنى ذلك أنّ لحظة صدقٍ فيها قد تعادل عبادة سنين طويلة، وأنّ ركعةً تُصلّى فيها بقلبٍ حاضر قد ترفع صاحبها درجاتٍ لم يكن يبلغها في زمنٍ طويل..
في هذه الليلة يتجلّى كرم الله على عباده بوضوح، فيفتح أبواب القبول لمن طرقها بإخلاص، ويمنح القلوب المتعبة فرصةً لتبدأ من جديد..
وفي هذه الليلة المباركة تنزل الملائكة إلى الأرض بإذن ربّها، تحمل معها السلام والرحمة، وتملأ الأجواء بسكينةٍ خفيّة يشعر بها القلب قبل أن تدركها الحواس..
لذلك وصفها الله بأنّها سلام حتى مطلع الفجر، أي أنّها ليلةٌ يغمرها السلام من بدايتها إلى نهايتها، سلامٌ يلمس الروح ويهدّئ القلق ويعيد ترتيب القلب من الداخل..
عظمة ليلة القدر ليست فقط في كثرة الأجر، بل في المعنى الذي تمنحه للإنسان؛ فهي تذكيرٌ بأنّ أبواب الله لا تُغلق، وأنّ فرصة العودة إليه تتجدّد دائمًا..
من أثقلته الذنوب يجد فيها باب توبةٍ واسعًا، ومن أرهقته الحياة يجد فيها لحظة راحةٍ بين يدي الله، ومن ضاقت به الطرق يجد فيها دعاءً يفتح له أبواب الأمل..
حين يقف الإنسان في تلك الليلة بين يدي ربّه، ويهمس بدعائه في هدوء الليل، يشعر أنّه أقرب إلى الحقيقة التي خُلق من أجلها.. تختفي ضوضاء الحياة ، وتبقى علاقة القلب بربّه واضحة وبسيطة، علاقة عبدٍ يعرف ضعفه ويلجأ إلى ربٍّ واسع الرحمة..
في تلك اللحظات يدرك الإنسان أنّ الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من كثرة ما يملك ، بل من قربه من الله..
ولذلك كان السلف يترقّبون هذه الليلة بقلوبٍ مفعمة بالشوق، ويستقبلونها بجدٍّ في العبادة وإخلاصٍ في الدعاء، لأنّهم فهموا أنّها هديةٌ ربّانية تتكرّر كل عام، وأنّ من حُرم خيرها فقد حُرم خيرًا كثيرًا..
كانوا يعلمون أنّ دقائقها أثمن من ساعاتٍ طويلة في غيرها، وأنّ لحظة إخلاصٍ فيها قد تغيّر مسار حياة الإنسان كلّها..
ليلة القدر تعلّم القلب معنى الرجاء، وتعلّمه أنّ الله يفتح أبواب الخير لمن قصدها بنيّة صادقة..
وفي هدوئها العميق يشعر المؤمن بأنّ السماء أقرب، وأنّ الدعاء ليس كلماتٍ تُقال فقط، بل صلةٌ حقيقية بين العبد وربّه..
لذلك كان الدعاء فيها من أعظم ما يملأ تلك الساعات نورًا، لأنّ القلب حين يتوجّه إلى الله بصدقٍ يجد من رحمته ما يطمئنه ويجبر خاطره.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض



