على فكرة
لم يكن الطريق لعقد القمة العربية الطارئة، سهلا أو ممهدا. لكن المؤكد أنه جاء فى سياق رؤية الدبلوماسية المصرية الواضحة المعالم، منذ اليوم التالى لهجوم حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية المتحالفة معها، على إسرائيل فى السابع من أكتوبر 2023. تصدرت حماس المشهد الإعلامى والسياسى، وتم تجاهل بقية فصائل المقاومة ليس فحسب، لأنها هى من تحكم قطاع غزة، منذ الانقسام الذى قادته على السلطة الوطنية الفلسطينية فى يونيو 2007، ليصبح هناك حكومتان للشعب الفلسطينى، إحداهما فى رام الله والثانية فى غزة، ولكن أيضا لكى يجرى التجاهل العمدى لأن أصل المشكلة فى الأراضى الفلسطينية هو الاحتلال، وأن نشأة حركة حماس هى أحد نتائجه وتسهيلاته لتكريس الانقسام داخل منظمة التحرير الفلسطينية، ومن ثم اضعاف السلطة الوطنية الوليدة فى عهدى ياسر عرفات وخليفته محمود عباس.
الطريق الشاق إلى قمة القاهرة بدأ بعد أقل من أسبوعين من هجوم السابع من أكتوبر، حينما نجحت مصر بسرعة فائقة فى عقد قمة دولية للسلام، انتهت ببيان لدول مجلس التعاون الخليجى ومصر والأردن دعوا فيه إلى العمل على الوقف الفورى لإطلاق النار وتقديم المعونات الإنسانية لفلسطينى غزة. وأعاد عقد المؤتمر طرح القضية الفلسطينية للنقاش الدولى بعد طول غياب، بجانب تجديد السياسة المصرية مواقفها الثابتة، بأن إنهاء الصراع الفلسطينى -الإسرائيلى رهين بحل الدولتين الذى أقرته القرارات الدولية.
لم يكن يخفى على السياسة المصرية منذ اليوم الأول لحرب الإبادة الجماعية المتوحشة، التى قادتها إسرائيل بمساعدة عسكرية وسياسية من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين ضد البشر والحجر فى غزة، أن الهدف الفعلى من ورائها، هو إجبار الفلسطينيين على الهجرة إلى سيناء المصرية . رفضت مصر بحسم قاطع تهجير الفلسطينين لما ينطوى عليه من خطط إسرائيلية معلنة لتصفية القضية الفلسطينية، وعدم القبول بأى تسوية تفضى إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
قادت مصر تحالفا مع الأردن للتصدى لذلك، وأوضحت مخاطر المضى قدما فى خطط التهجير على الأمن الإقليمى والدولى لدول العالم شرقا وغربا. تحملت القيادة المصرية بحكمة وصبر وشجاعة، فى سبيل موقفها الرافض للتهجير طغوطا هائلة، من سفهاء الداخل، وخصوم الخارج. كما لم تقبل بكل الإغراءات بإلغاء ديون مصر وإغراقها بالمعونات والمساعدات المالية لتجاوز ما يعانيه الاقتصاد المصرى من أزمات، فى حال وافقت على توطين أهالى غزة فى سيناء. واعتذر الرئيس السيسى عن زيارة واشنطن عندما تأكد أن جدول أعمالها يقتصر على قضية التهجير!
تدرك الإدارة المصرية أن سياسة ترامب لن تكون بعيدة عمن سبقوه من الرؤساء الأمريكيين، من حيث ارتباطها بما يخدم مصلحة إسرائيل، وتجاهل مصالح دول المنطقة. ولم تأبه بالحماقات التى توقعت فتح معارك كلامية معه، عندما طرح مشروعه بجعل غزة ريفيرا جديدة بعد طرد سكانها. واتجهت بدلا من ذلك لتشكيل موقف عربى جماعى يرفض ذلك، لاسيما أن هذا الرفض بات مسنودا بموقف أهل غزة أنفسهم، الذين لم يقبلوا وهم تحت نيران قذائف محرمة دولية من دبابات وطائرات أمريكية وأوروبية تطيح بهم وبمعالم حياتهم، مغادرة القطاع. دعت مصر إلى عقد القمة العربية الطارئة لحشد موقف عربى جامع يرفض مخطط التهجير، ويوافق على مشروعها البديل لإعادة إعمار غزة فى وجود سكانها وتكاليفه وجهات تمويله وزمن انجازه، ليصبح بعد انتهاء القمة مشروعا عربيا يحظى بدعم هيئة الأمم المتحدة ودول الاتحاد الأوروبى.
من المفهوم بطبيعة الحال أن رفض مخطط التهجير لا يكفل افشاله. لكن الآمال باتت معقودة على قمة بغداد العادية فى 17 مايو المقبل، لوضع آليات تنفيذ مخرجات القمة الطارئة، وتجميع كل أوراق الضغط العربية الممكنة، وفى القلب منها وقف كل خطوات التطبيع العربية مع إسرائيل، وإحياء الجامعة العربية الراعية للقمة لقرارات المقاطعة، واتفاقيات الدفاع العربى المشترك. فضلا عن حشد داعمين دوليين جدد لموقفها، الرامى لوقف أطماع إسرائيل، واقناع ترامب الذى يبدل مواقفه من لحظة لأخرى، بالضغط عليها للقبول بتسوية تمنح الشعب الفلسطينى حقوقه المشروعة فى إقامة دولته المستقلة، وهو أمل ليس بمستحيل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض