رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بدون رتوش

ونظل مع تباريح ذكرى الدكتور بطرس غالى الوطنى الصميم، كان صادقا ودودا متواضعا يعتز بنفسه وبكرامته إلى أقصى الحدود، حرص على دعم القضايا العربية، وحث على تعميق العلاقات مع إفريقيا. جمعتنى به صداقة نادرة، وكثيرا ما أجريت لقاءاتى الصحفية معه فى منزله حيث كانت زوجته الجميلة «ليا» تستقبلنى بحفاوة وتشعرنى بأننى وسط أسرتى. إنه الدكتور بطرس غالى الذى شكل علامة فارقة فى التاريخ الدبلوماسى كمفاوض رئيسى فى اتفاقية كامب ديفيد، ولا ننسى له مواقفه وجرأته على معارضة السياسة الأمريكية مما دفع إدارة كلينتون إلى رفض التجديد له لفترة ولاية ثانية كأمين عام للأمم المتحدة، وكان السبب الرئيسى وراء ذلك عدم انصياعه لأمريكا فى قضية «مجزرة قانا» التى وقعت فى أبريل 1996 وإصراره على نشر التقرير الذى يدين إسرائيل بقصف مقر «اليونيفيل»، مما أودى بحياة 106 مدنيين أغلبهم من الأطفال والنساء وعشرات الجرحى، وكان أن اجتمع مجلس الأمن للتصويت على قرار يدين إسرائيل بارتكاب هذه الجريمة.

سارعت أمريكا فأجهضت القرار باستخدامها للفيتو، وتبع ذلك وقوف «مادلين أولبرايت» مندوبة أمريكا لدى الأمم المتحدة لتطالب بضرورة عدم ترشيح الدكتور غالى لفترة ثانية، وذلك لكونه اجترأ ونشر تقرير مذبحة قانا، استاءت أمريكا لإصرار غالى على نشر التقرير الذى يعرى إسرائيل ويفضح جرائمها فى لبنان. حاصر التقرير إسرائيل وحملها المسئولية الكاملة عن هذه المذبحة. اعترضت أمريكا على نشره لأنه يسىء إلى حليفها الصهيونى، ومن ثم أصرت على ضرورة تنحية الدكتور غالى، ليشكل عدم التجديد له سابقة فى الأمم المتحدة حيث اعتاد الأمين العام المكوث فى المنصب لفترتين.

كانت الولايات المتحدة حريصة على مراعاة مصالحها وتحالفاته، ولهذا جاء قرارها برفض إعادة ترشيح الدكتور غالى ليشكل وضعا غير مسبوق فى الأعراف الدولية، حيث لم يتم التجديد للدكتور بطرس غالى كأمين عام للأمم المتحدة لفترة ثانية خلافا للقاعدة المتواترة المعمول بها منذ انشاء الأمم المتحدة. لقد أرادت أمريكا بذلك أن يكون العالم كله تحت إمرتها. بيد أن الدكتور غالى أثبت بحكم خبرته أنه كان على حق فيما ذهب إليه، وأن مواجهته لأمريكا كانت انتصارا له ولمبادئه التى لم يتخل عنها. وفى معرض تعقيبه لى على ما حدث قال: «وجهت الولايات المتحدة لى ما أطلق عليه شروط إذعان على أمل أن ألتزم بها وأسارع بتطبيقها. بلغت بها الجرأة إلى الحد الذى أملت علىّ ما تريده منى تحديدا عندما قالت: لا تسافر، ولا تتحدث، ولا تتطرق لأى شيء فى خطاباتك، أو تقابل أشخاصا إلا بموافقتنا». غير أن الدكتور غالى لم يعر أمريكا أى اهتمام ولم ينسق وراء تعليماتها، وضحى بالمنصب، فاعتبار الذات والكرامة أبدى وأغلى من كل المناصب.

إنه الدكتور «بطرس غالى» الذى سطر عبر تاريخه سجلا حافلا بالإنجازات والمآثر والمبادئ، سجلا لا يمكن معه أن ينسى المرء هذه القامة السامقة التى أثبتت حضورا نافذا أشاع نور الحقيقة وأرسى المعالم الرئيسية لمعايير الالتزام بالمبادئ، إنه نبتة فريدة قلما يجود الزمن بها كقامة متفردة فى ساحة الدبلوماسية. وللحديث بقية.